علينا أن ندرك أن هذه التقسيمات نشأت في سياقات تاريخية معينة، ثم صُمِّمت بفرضيات وأفق يسلّم بتأسيسيات الموجود، مما انتهى بالمشاريع المتفرعة من تلك النماذج الفكرية (يستوي في هذه الملاحظة العلماني والاسلامي) إلى تكريس الواقع وتبريره، وبالنتيجة تثبيت التبعية للغرب ومركزيته العقدية، وهو ما جعل بلداننا مفككة اجتماعيا، وحوّلها إلى مساحة صغيرة دورها خدمة الأجنبي
ثم إضافة إلى القصور في المشاريع الفكرية المتفرع من خلل كونها لا تتعامل بمفهوم المركزيات العقدية ومغالباتها، فإن تلك التشكيلات السياسية المتنازعة، علمانيةً وإسلاميةً، شهدت على مستوى ممارساتها انحرافات لدى الهياكل القيادية عموما (مع وجود استثناءات). ويمكن ملاحظة ذلك لدى العلماني ولدى الإسلامي، باختلاف في الدرجات
هذه التشكيلات انتهت إلى التبعية للغرب ومنظماته وأجهزته؛ تتعامل مع الدول الأجنبية، وتتلقى منها التمويلات، وتستنصر بها ضد بلدانها في التصدي للمنافسين السياسيين
فالقوميون كانوا يوالون الأنظمة القومية، والإسلاميون ـ بحسب تفريعاتهم ـ فيهم من يوالي السعودية، وفيهم من يوالي قطر، وفيهم من يوالي إيران، وفيهم من يروّج لتركيا ويواليها.
والعلماني الليبرالي يوالي فرنسا أو إحدى الدول الغربية، وهو ولاء بدأ ينافسه فيه أيضا الإسلاميون منذ التسعينات
بالمقابل، علينا أن نقوم بفصلٍ منهجي داخل تلك التشكيلات بين القيادات صاحبة المصالح، وبين عامة المنضوين في تلك التشكيلات من القواعد، ممن لم يبنوا علاقات مع الأجنبي ولم يتلقوا منه التمويلات والجوائز. هذا الفصل مهم، لأنه سيمكننا من التعامل مع قواعد كل التشكيلات الحزبية في سياق مشروع آخر ممكن يتعالى عن الانتماءات الحالية، وهو مشروع يمكن أن يجمع كل التونسيين حول محورين: العداء للمركزية الغربية، والانضباط بالمركزية الإسلامية
يمكن ملاحظة أن عموم المنضوين في مختلف التشكيلات (علمانية، قومية، إسلامية...) يتقاربون في مفاهيم معيّنة، من بينها رفض التبعية للأجنبي، ويمكن أن يشتركوا في قبولهم الإسلام كمركزية عقدية (بينما يُلاحظ الرفض في هذه النقطة من طرف قيادات تلك التشكيلات، لأنها شخصيات توظّف العداء للإسلام وتراكم المجد الشخصي من الترويج للمركزية الغربية ومفاهيمها)
بهذا المعنى سيكون المشروع شاملًا، مغالبًا للغرب، رافضًا للخضوع، وليس الإسلام فيه مجرد ثقافة أو شكليات يتحكم فيها المشتغلون بالإسلاميات / "العلماء"
علمًا أن فكرة المركزية العقدية التي أقدّمها تمضي بالتوازي مع دول إقليمية كبرى كعامل ذي أهمية متقدمة، وفي حالتنا بتونس، فإنها تونس التاريخية الكبرى التي ستكون دولة إقليمية لها حقوق تاريخية في المتوسط
يمكن الرجوع إلى ما كتبته سابقًا أو قدّمته في لقاءات مصوّرة للمزيد حول هذه الأفكار
التصنيفات من نوع إسلامي وعلماني لا تفسّر الواقع، ولا يمكن أن تغيره جذريا، لذلك يجب تجاوز هذه التصنيفات
2026-03-04
642 قراءة
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن