إن الحديث عن جزيرة قوصرة أو ما يُطلق عليها اليوم بانتالاريا بلسان إيطالي مستحدث ليس مجرد نبش في ركام التاريخ أو استحضاراً لنوستالجيا جغرافية بائسة بل هو تشريح لعملية بتر جيوسياسي نُفذت بدم بارد ضد الجسد التونسي في لحظة غيبوبة تاريخية.
هذه الجزيرة التي تتربع على عرش مضيق صقلية ليست سوى شظية بركانية قذفتها الأرض من أعماق الجرف القاري الإفريقي لتستقر على بعد 70 كيلومتراً فقط من سواحل الوطن القبلي التونسي، بينما تبعد عن صقلية أكثر من 100 كيلومتر ما يجعلها من الناحية الطبيعية والبيولوجية والجيولوجية تونسية بامتياز قبل أن تلوثها خرائط السياسة واتفاقيات الغرف المظلمة.
إننا أمام جريمة مكتملة الأركان بدأت فصولها منذ فجر التاريخ حين استوطنها بنو السيسي في العصر الحجري الحديث وبنوا فيها أبراجهم الجنائزية التي لا نجد لها نظيراً إلا في عمق الصحراء الإفريقية ثم جاء القرطاجيون في القرن السابع قبل الميلاد ليرسموا ملامحها كحصن دفاعي متقدم لقرطاج وسكوْا فيها عملة «يرنم» التي كانت تحمل وجه الإلهة البونيقية تانيت وظلت الجزيرة لقرون تمثل الرئة التي تتنفس بها السفن القرطاجية المتجهة إلى صقلية وحتى حين احتلها الرومان عام 217 قبل الميلاد بعد حروب بونيقية طاحنة لم يستطيعوا مسخ هويتها فظلت «كوسورا» الرومانية تتحدث بلكنة قرطاجية وتصلي في معابد بونيقية حتى أعادها الفتح الإسلامي إلى حضنها الطبيعي عام 700 ميلادي (88 هجري) على يد عبد الله بن قطن الفهري بتكليف من موسى بن نصير لتتحول منذ ذلك التاريخ إلى إقليم إداري تابع لولاية إفريقية (تونس) تُجبى ضرائبها إلى القيروان وتُدار شؤونها من دار الصناعة بتونس العاصمة.
الضياع الحقيقي للسيادة التونسية على قوصرة لم يحدث فجأة بل كان عبر هندسة قانونية فريدة تُعرف بنظام المناصفة (Condominium) الذي أُرسيت دعائمه في معهدة عام 1221 ميلادي بين الإمبراطور فريدريك الثاني وحكام تونس من الموحدين ثم الحفصيين وهو نظام استمر لأكثر من قرنين ونصف حيث كانت الجزيرة تُحكم بسيادة مزدوجة يُقسم خراجها وزرعها وضرائبها بالتساوي بين ملك صقلية وسلطان تونس وكان للسكان المسلمين قاضيهم الخاص الذي يحكم بينهم بالشريعة الإسلامية في مشهد قل نظيره في تاريخ العلاقات الدولية وهذا الترتيب القانوني يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن السيادة التونسية كانت حقيقة قانونية معترفاً بها دولياً ولم تكن مجرد ادعاءات عابرة، ولكن هذا التوازن انهار مع سقوط غرناطة عام 1492 وصعود التعصب الإسباني الريكوكيستا حيث طُرد المسلمون وحُولت الجوامع إلى كنائس ومع ذلك ظلت بنت الرياح كما سماها العرب مرتبطة وجدانياً واقتصادياً بتونس حتى أن تقارير اللجنة الملكية البريطانية عام 1812 المودعة في الأرشيف الوطني بلندن كانت تحذر الأسطول البريطاني من مغبة احتلال الجزيرة خوفاً من رد فعل باي تونس الذي كان يملك مفتاح إمدادات اللحوم والغذاء للأسطول الإنجليزي في المتوسط، ما يعني أن النفوذ التونسي ظل قائماً حتى مطلع القرن التاسع عشر.
أما تلك الأسطورة الهزيلة التي تلوكها الألسن حول الجارية الإيطالية التي قُدمت الجزيرة مهراً لها في عهد حسين باي أو محمد الصادق باي فهي ليست سوى بروباجندا شعبوية صُممت للتغطية على الفشل الاستراتيجي والعسكري للدولة الحسينية الغارقة آنذاك في الديون والتبعية للقناصل الأوروبيين فالحقيقة المرة تكمن في اتفاقية التجارة والملاحة لعام 1868التي كانت المسمار الأخير في نعش السيادة التونسية حيث تنازل الباي عن حقوقه التاريخية في المياه والجزر مقابل وعود واهية بحماية عرشه من الأطماع الفرنسية.
وفي خضم توحيد إيطاليا (الريسوردجيمنتو) بين عامي 1860 و1866 استغل غاريبالدي ومن خلفه المملكةالإيطالية الناشئة ضعف الأسطول التونسي وغياب الحماية العثمانية لضم الجزيرة نهائياً وتحويلها إلى سجن للمعارضين ثم لاحقاً إلى قلعة فاشية حصينة حيث بنى فيها موسوليني مطار الجبل الشهير (Hangar) الذي يُعد معجزة هندسية وهو ما تكشفه وثائق الأرشيف العسكري الأمريكي حول عملية كورس screw عام 1943، حيث تعرضت الجزيرة لقصف جوي وحشي تمثيلي في بعض جوانبه لإظهار القوة الأمريكية أمام النازيين بينما كانت الجزيرة فعلياً قد سقطت قبل ذلك.
وعلى الرغم من محاولات الإيطلة القسرية تظل الأنثروبولوجيا واللسانيات شاهدة على تونسية قوصرة العنيدة فأسماء المناطق هناك مثل بوجابر و غدير و المارسة و.بلاطة هي أسماء تونسية قحة لا يفهم دلالتها الجغرافية مواطن من روما أو ميلانو وحتى عنب الزبيب (Zibibbo) الذي تشتهر به الجزيرة عالمياً هو نبتة قرطاجية تونسية انتقلت مع الفاتحين، والبيوت البركانية الداموزو (Dammuso) هي نسخة طبق الأصل من المعمار الجربي والنابلي القديم بسقوفه المقببة وجدرانه السميكة لمقاومة الحرارة.
وعندما جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية عام 1971 بين تونس وإيطاليا التي صادق عليها البرلمان التونسي في السبعينيات كان المفاوض التونسي يدرك حجم الخسارة فحاول تقليص الأضرار عبر حصر نفوذ الجزيرة في
جيب بحري لا يتجاوز 13 ميلاً مانعاً بذلك إيطاليا من التهام الجرف القاري التونسي الغني بالثروات.
إن قوصرة اليوم هي جرح تاريخي مفتوح وهي برهان صارخ على أن الجغرافيا لا ترحم الضعفاء وأن الخرائط التي لا تحميها الأساطيل والقوة الاقتصادية هي مجرد ورق قابل للاحتراق في أفران المصالح الدولية وستظل قوصرة تونسية في روحها إيطالية في إدارتها و ضائعة في ذاكرة السلطة التي استمرأت التفريط في السيادة مقابل البقاء في كراسي الحكم.
قوصرة.. بنت الرياح التونسية التي أضاعها البايات في قمار السيادة: من جيرة المناصفة إلى خديعة الترسيم في خنقة السبعينات
2026-02-27
120 قراءة
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن