المشروع العقدي يحوّل سكان الدولة إلى أصحاب رسالة، ويجعل أجهزة تلك الدولة تُغالِب الزمن لنشر ذلك المشروع وإنجاحه محليًا وعالميًا. ويكون الهدف مراكمة النجاحات في مختلف المساحات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، باعتبار أن ذلك تفريع عن الفكرة/العقيدة المراد ترويجها.
ويصبح النجاح مهمة شخصية لمواطني ذلك البلد، الذين يكون منسوب الفخر والانتماء المحلي لديهم مرتفعًا
لذلك نرى أن الأنظمة والدول صاحبة المشاريع العقدية حققت نجاحات نسبية مقارنة بمن يماثلها في الإمكانيات
- فرنسا كانت نجاحاتها في القرون السابقة بحكم أنها صاحبة رسالة عالمية حول التنوير والتحديث
- أمريكا نجحت وتواصل التمدد بحكم أنها تحمل رسالة النموذجية الغربية وقيمها
- الاتحاد السوفياتي برز ونجح بحكم أنه يحمل مشروع الشيوعية/الاشتراكية
- الصين نجحت بحكم أنها تحمل نسخة أخرى من المشروع الشيوعي
- كوريا الشمالية تصمد ونجحت نسبيًا لأنها تحمل مشروعًا عقديًا، وهو خليط من فكر يساري وقومي محلي
- الدول القومية العربية: مصر في عهد عبد الناصر، وليبيا في عهد القذافي، والدول البعثية في العراق وسوريا، نجحت في مجالات عديدة، وامتد تأثيرها خارج بلدانها، بحكم أنها تنطلق من لزوميات الرسالة والمشروع القومي الذي يقول بوجوب دول قوية
- إيران ما بعد الثورة تناطح الغرب ونجحت في مجالات عديدة، بحكم لزوميات مشروعها العقدي، الذي يصوّر أصحابه أنفسهم على أنهم ذوو رسالة، وأنهم أكثر من أن يكونوا تبعًا للآخر الغربي
بالمقابل، فإن كل الدول، بما فيها الدول العربية ومنها تونس، لا تحمل أي مشروع عقدي، وإنما تتبنى النموذجية الغربية. لذلك فإن أقصى طموحاتها وسقفها الأعلى هو الارتقاء لاستيعاب النموذجية الغربية والقيام بدور التابع الجيد.
وينعكس ذلك على النمط المجتمعي وأدوار الأسرة والفرد حيث يكثر التفكك والتحلل المجتمعي وتغيب الثقة في النفس وتشيع مظاهر كره الذات، وعلى نوعية الاقتصاد التابع في تلك البلدان، وعلى الجهاز العسكري الذي يعجز عن تحقيق الصناعة المحلية رغم "استقلال" تلك البلدان منذ عقود، كما ينعكس على المنظومة التعليمية المهلهلة التي تتمثل أدوارها في الترويج للنموذجية الغربية والقول بحتميتها، مع مهام تعمل على الإقناع بكراهية الذات، وأول دلائل ذلك استبعاد اللغة العربية
وهذه الدول التابعة مهما علا شأنها اقتصاديا فإنها تبقى مجرد تابع للغرب، وهي إما مصدر مواد أولية (دول الخليج) أو حقول تصنيع (أوروبا، دول شرق آسيا) أو أسواق استهلاك (باقي العالم)
-------
من زاوية الفهم هذه، التي تنبني على فكرة المشاريع العقدية، فإنه يمكن تفسير الحروب التي يخوضها الغرب على أنها معارك عقدية في أصلها، وأنها نتيجة حتمية للمغالبة العقدية. لكن ضرورات الفاعلية والدعاية عند شنّ الحروب توجب اعتماد تبريرات أخرى، مثل: تسلط الأنظمة، والحقوق والحريات، والإرهاب، ونشر الديمقراطية
الدول القوية هي تلك التي تمتلك مشاريع عقدية
2026-01-18
282 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن