لم يكن انقلاب الماغونيد حادثًا عابرًا في تاريخ قرطاج، بل كان كما يصفه المؤرخون المتأخرون اللحظة التي انتقلت فيها المدينة من “الجغرافيا البحرية” إلى “الجغرافيا الإمبراطورية”.
كأنّ قارة بأكملها أُضيفت تحت أقدامها دون أن تتحرك خطوة واحدة.
كانت قرطاج قبلهم تشبه سفينة جميلة لكنها مربوطة بحبل واحد
السفينة مزدهرة، تُبحر بلا خوف، لكن قلبها هشّ، وبرلمانها مليء بالتجار الذين يظنون أنّ السلم وحده يصنع المجد، وأنّ الأسواق وحدها تكفي لردع الذئاب.
أما الماغونيد فقد جاؤوا بالسؤال القديم الجديد
كيف يمكن لدولة بلا مخالب أن تحكم بحرًا بلا حدود؟
في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت الفوارق الطبقية تتسع في قرطاج كما يتسع الشقّ في جدار قديم.
أرستقراطية غنية بلا مشروع، تجار كبار يخافون الحرب، وجنود مرتزقة يعرفون أنّ قوتهم أكبر من رواتبهم.
أرض ضيقة، وسكان يتكاثرون، وأسواق توسعت حتى لم تعد تعرف كيف تتراجع.
وسط هذا المشهد، ظهر الماغونيد عائلة من “الوسط بين الطبقات”:
ليست من الأشراف وليست من العامة
لكنها من تلك الطبقة الخطيرة التي تعرف السوق كما تعرف الميناء، وتعرف الحرب كما تعرف السمسرة، وتعرف كيف تجمع الجنود حولها كما تجمع التجار.
دخلوا الحكم من “مناطق الفراغ”من الغضب الشعبي
من ضعف مجلس الشيوخ ومن حاجة قرطاج إلى دم جديد.
لم يرفع الماغونيد راية الثورة، ولم يستولوا على الحكم في ليلة عاصفة كان انقلابهم بطيئًا، متدرّجًا، مُحكمًا
كمن يضع يده على حنجرة دولة ثم يضغط بلا ضوضاء.
سيطروا أولًا على الجيش ثم أمسكوا بالأسطول ثم تسلّلوا إلى مجلس المئة وأصبحوا “الظلّ الذي يحكم”.
ولم يُسقطوا الأرستقراطية بل أعادوها إلى مقاعد المتفرجين.
في ذلك الزمن، فهمت قرطاج شيئًا خطيرًا هي أنّ من يملك قوة السلاح يملك البحر، ومن يملك البحر يملك التجارة، ومن يملك التجارة يملك رقبة الدولة.
قبل الماغونيد، كانت قرطاج شركة كبرى شركة بحرية تعمل كدولة، لا دولة تعمل كتاجر.
كانت تحمي تجارتها وتشتري السلم، وتستثمر في الذهاب والإياب لا في الاحتلال.
بعد الماغونيد تغيّر كل شيء،تحوّلت التجارة إلى سلاح ،وتحوّل السلاح إلى سياسة.وتحوّلت السياسة إلى مشروع توسع.
صار البحر ملكًا لا ممرًا وصارت الجزر محطات لا حدودًا.
وصارت الحرب امتدادًا طبيعيًا للتجارة.
ولأول مرة في تاريخ قرطاج، دخلت الدولة في مشروع “إمبراطورية برّية”
غزو صقلية، اجتياح سردينيا، السيطرة على جنوب إيبيريا.
لقد أخرجوا قرطاج من خوفها التاريخي ووضعوها في قلب المعركة.
من رحم الماغونيد خرجت السلالة التي ستعرف لاحقًا باسم “عائلة برقة”،عائلة لا تؤمن بنصف الحرب ولا بنصف السلم.
تؤمن بالاستيلاء أو الموت.
من هذا الإرث خرج أميلقار ومن أميلقار خرج حنبعل الذي سيغيّر تاريخ روما والمتوسط إلى الأبد.
لو لم يقع انقلاب الماغونيد، ما وُلد حنبعل.
ولو لم يُولد حنبعل، لربما بقي البحر المتوسط بحرًا رومانيًا منذ بدايته لكن انقلابًا صغيرًا في مدينة صغيرة فتح بابًا كبيرًا للحروب البونية الثلاثة.
ما الذي فعله الماغونيد في العمق؟
العمق الحقيقي للانقلاب لم يكن سياسيًا بل كان سيكولوجيًا و اقتصاديًا و اجتماعيًا.
غيّروا عقلية الطبقة الحاكمةمن خوف الثروة إلى شجاعة القوة.
حرّكوا طبقة وسطى جديدة تجار صغار، جنود، مرتزقة… صارت لهم كلمة وصوت.
ألغوا فكرة “المدينة الشركة”واستبدلوها بفكرة “الدولة القوة”.
أدخلوا قرطاج إلى زمن الحرب المفتوحة حيث لا وجود لسلام بلا شروط.
فتحوا الباب للقيادة الكاريزمية التي ستبلغ ذروتها في شخص حنبعل.
إنه انقلاب لم يُدرّس كما يجب، لأنه لم يخلق دولة
بل خلق شيئًا أخطر ،خلق ذهنية جديدة، وذهنية جديدة تصنع أمة كاملة.
قرطاج كانت دولة غنية أكثر مما تحتمل. والغنى الزائد بلا حماية، يتحول مع الزمن إلى دعوة للغزو أو للتمرد الداخلي.
الطبقة الوسطى دائمًا هي التي تصنع الانقلابات لا الفقراء ولا الأغنياء و الماغونيد مثال نموذج.
الحرب ليست صُدفة في تاريخ قرطاج بل كانت قدرًا مؤجلًا.
والماغونيد هم من سرّعوا وصول القدر.
الانقلاب الحقيقي ليس في من يحكم بل في كيف تفكر الدولة وكيف ترى نفسها.
من يقرأ انقلاب الماغونيد سيدرك أن تونس اليوم تشبه قرطاج قبل الانقلاب ثراء محتمل ،خوف من القوة،وصراع بين نخبة مترهلة وطموحات شعب متعب. والتاريخ لا ينسى من يعيد خطواته.
إنقلاب الماغونيد
2025-12-09
461 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن