مقالات عن: تونس

قرطاج،المدينة التي لا تموت حتى و هي رماد

2025-12-08 475 قراءة عماد عيساوي
لم تكن قرطاج مدينةً تزهر من الخرافات، ولا جمهورية تنفخ فيها الأساطير روحًا.
كانت مشروعًا سياسيًا وتجاريًا صاغه الفينيقيون بأيديهم، ورموه في البحر المتوسط كمن يرمي حجرًا يريد له أن يصنع دوائر لا تنتهي.
ومع القرن الثامن قبل الميلاد، بدأت تلك الدوائر تكبر حتى أصبحت إمبراطورية.
في حوالي 825–814 ق.م، وصل أوّل الأسطولين الفينيقيين إلى خليج تونس.
كان المكان مغريًا، شبه جزيرة تطل على مضيق اسمه اليوم “البحيرة”، مياه هادئة، وموقع يتحكم في طرق التجارة بين صقلية والغرب الإفريقي والأندلس.
فهم التجار الفينيقيون بسرعة أنّ هذا المكان ليس محطة عبور بل مركز سيقود المتوسط.
بدأوا ببناء مخزن تجاري، ثم أرصفة خشبية، ثم حيّ للسكان.
ومع مطلع القرن السابع ق.م، ظهرت قرطاج كمدينة مستقلة، تملك أسطولًا صغيرًا، وتخضع لمجلس شيوخ محلي.
ما يميّز بدايتها أنها لم تكن بحاجة لأسطورة كي تتأسس.
تأسست كما تتأسس الشركات الكبرى اليوم: بدراسة جدوى دقيقة، وموقع مُختار بعين جيوسياسية، وفكرة بسيطة:
هذا المكان سيُنتج ثروة لا تنتجها صور وصيدا.
مع القرن السادس ق.م، كانت قرطاج قد تمددت على طول سواحل شمال إفريقيا، وعقدت عشرات الاتفاقيات مع القبائل الليبية والنوميدية.
شيدت موانئ في مالطا، سردينيا، قرطاجنة، جزر البليار، والأندلس.
تحولت من مجرد محطة فينيقية إلى دولة بونية كاملة، لها لغتها ولهجتها وقوانينها وسلالاتها العسكرية.
هنا ظهر أول جيل من رجال الدولة القرطاجيين الذين صاغوا شكل الجمهورية:
مالكوس (حوالي 550 ق.م): القائد الذي وسّع النفوذ البوني في صقلية.
ماغون الأول (540 ق.م): واضع أسس الجيش القرطاجي وتقاليده.
أسطروباتوس: أحد أعضاء مجلس المئة الذين وضعوا قواعد حوكمة صارمة.
وبالتوازي كان علم قرطاج ينمو في السرّ.
كانوا أقل شعوب العالم كلامًا وأكثرهم كتابة، لكنهم أخفوا كتاباتهم كأنها أسرار تجارية.
لم تكن قرطاج دولة فلاسفة مثل اليونان، بل دولة علماء ميدان.
علماؤها لم يكتبوا الشعر، بل كتبواالرياح،التيارات البحرية،مسالك التجارة،وأسرار الزراعة منهم:

هانون رجل الاكتشافات الكبرى ،قاد رحلة بحرية عملاقة نحو غرب إفريقيا (حوالي 500 ق.م)، على متن 60 سفينة و30 ألف شخص.
دوّن مشاهدات عن قبائل، غابات، جبال بركانية، وجزر نيران.
كتابه ضاع أصله، ولا نملك إلا نسخة يونانية مبتورة.

هيميلكو المكتشف المنسي للمحيط الشمالي ،في الفترة نفسها تقريبًا، قاد رحلة عكسية نحو الأطلسي الشمالي، حتى وصل إلى السواحل البريطانية و كتب عن الضباب، الأعشاب البحرية الطافية، تيارات المد والجزر، وظواهر لم يعرفها الإغريق.
ماغون أبو الزراعة المتوسطية ،كتب أطول وأعمق كتاب زراعي في العالم القديم، في 28 مجلدًا، ضاع أغلبه.
الرومان أنقذوا عمله واعتبروه كنزًا.
بلينيوس الأكبر ينقل عن مجلس الشيوخ قوله:
«لتحفظوا كتاب ماغون، فقد فقدنا قرطاج ولكن لا نفقد زراعتها.»
بوليتيس القرطاجي واضع قانون البحر،عالم تجارة وملاحة.
صاغ قواعد التعاملات البحرية، وحدّد مسؤولية القبطان، وحقوق التجار، ونظام الخزن والتسليم.
ما كتبه أصبح لاحقًا أساس Lex Mercatoria في روما.

أزدروبعل بن هانو عالم التطبيقات البحرية،أسس مدرسة الملاحة في الميناء التجاري، ووضع خرائط نجوم كانت تُستخدم ليلًا.
هؤلاء العلماء صاغوا علمًا ضائعًا، لا نملك منه إلا الإشارات.

بين القرن الخامس والثالث ق.م، بلغت الإدارة القرطاجية ذروتها.
ظهرت عندها المكتبتان الشهيرتان .
أولًا، مكتبة القصر التي كانت مخصصة لأرشيف الدولة،سجلات الضرائب،وثائق التجارة،قوانين الأسطول،تقارير المخابرات،مراسلات السفراء،الخرائط البحرية والبرية،أسرار الصناعات (الرصاص، الأرجوان، الأخشاب، السفن).
كانت هذه المكتبة عقل الدولة.
ثانيًا،مكتبة المعابدوفيهاأرشيف الطقوس،كتب الفلك والنجوم،تقاويم الرياح،خرائط الملاحة الليلية،سجلات العلماء،الطقوس الروحية والميثولوجيا الفينيقية.
كانت هذه المكتبة روح المدينة.
حين وصلت قرطاج قمة قوتها في القرن الثالث، ظهرت روما كخصم صامت.
كانت روما دولة برية، وقرطاج دولة بحرية.وكان البحر المتوسط يومها مثل لوحة شطرنج لا تتسع لملكَين.

ثم جاءت الحرب الثانية ،حرب عبور جبال الألب الشهيرة بقيادة حنّيبعل.
زُعزعت روما من الداخل، سقطت جيوشها، كادت تنهار الجمهورية.ومن تلك اللحظة بدأ الرومان يرون في قرطاج خطرًا وجوديًا.
جاء بعدها القرار السياسي الأخطر في تاريخ المتوسط، حين وقف كاتو الأكبر في مجلس الشيوخ يكرر جملته الشهيرة:
"وفي النهاية أقول: يجب تدمير قرطاج."
Carthago delenda est.
إصرار دام سنوات حتى أصبح قانونًا.

عندما حاصر الرومان المدينة، دخلت قرطاج في حرب انتحار.
قاتلت 3 سنوات بلا مؤونة، بلا جيش، بلا أسطول.
قاتل أهلها في الأزقة، فوق الأسطح، وفي الميناء الدائري الذي كان معجزة هندسية.
وفي آخر سنة من الحصار، استخدم الرومان سياسة الأرض المحروقة.
وحين دخلوها لم ينهبوا أولًا الذهب، بل الوثائق.
أمر سكيبيو إيميليانوس بفرز الكتب،ما ينفع روما يُنقل.ما لا ينفع يُحرق.
استمرت النيران سبعة عشر يومًا كما يذكر أبيان.
اختفت آلاف المخطوطات.ضاعت علوم الملاحة، والزراعة، والقوانين، والتجارة، والديبلوماسية.
أخذ الرومان كتاب ماغون فقط، والباقي ذهب في رماد أكلته الريح.
القرن الثاني ق.م شهد النهاية لكن القرن الأول ق.م شهد المفارقة الكبرى، روما نفسها أعادت بناء قرطاج.
شيّدها يوليوس قيصر، وأعادها أوغسطس، وحولوها إلى عاصمة إفريقيا الرومانية.
لكنها لم تعد كما كانت ،كانت “قرطاج الرومانية”، نسخة مشوّهة، بلا ذاكرة، بلا علم، بلا قادة.
اليوم نقرأ ما لم يكتب، ونتخيل ما ضاع
ما تبقّى من قرطاج هو حجارة،مرفأ أثري،مقابر أطفال،نقود،معابد مهدّمة،وذكريات ناقصة.لكن ما ضاع هو الأخطر و هي قوانين الملاحة،خرائط الاكتشافات،سجلات الأساطيل،تقارير الجواسيس،أرشيف مجلس المئة،كتابات العلماء،تاريخ اقتصادي كامل.
كل هذا ذهب في سبعة عشر يومًا من النار.
وتبقى قرطاج اليوم حضارة تكلّمنا بظلّها، لا بكتبها.
بقي المكان،وبقي الاسم وبقي السؤال
ماذا لو لم تُحرَق قرطاج؟
ماذا لو بقيت مكتبتا القصر والمعابد؟
كيف كان سيبدو تاريخ المتوسط لو كتبته دولة بحرية لا دولة برية؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق