طيب، النظام السوري سقط منذ عام وانتهى، فلماذا الحديث عن قصص تتعلّق بزمن حكمه وبرموزه ما دام ذلك لن يؤثّر على واقعٍ قد تغيّر أساسًا؟
ولماذا تُستدعى تلك القصص دون غيرها، وهي من حيث الاحتمال ممكنات عديدة
أي لماذا لا يتمّ الحديث بإسهاب وتفصيل أيضًا، وتُقدَّم التسريبات الصحفية، عن قصص الجماعات المسلحة وإعداماتها العشوائية للناس لاعتبارات تافهة في مناطق سيطرتها
ولماذا لا يتمّ الحديث بالتفصيل، ولماذا لا تكشف قناتا "الجزيرة" و"العربية" عن قصص تمويل تلك الجماعات المسلحة من المخابرات الغربية، وكيف كانت بعض تلك الجماعات (الذين يوجد بعضهم في الحكومة السورية الحالية) تتلقى التمويل المنتظم والأجور لأعضائها من إسرائيل وبريطانيا وأمريكا وتركيا؟
هذه كلها معطيات متوفّرة وليست سرًّا، وسبق أن نشرت بعضها، وتبيّن أن المجموعات التي تموّلها إسرائيل هي التي كان أفرادها يتلقّون الأجر الأقل، كل ذلك لمن يريد أن يتابع بموضوعية حقيقة الفوضى السورية ويحرّر نفسه من توجيهات الإعلام الخليجي
ولماذا لا تكشف لنا قناتا "الجزيرة" و"العربية" عن دور المخابرات السعودية والقطرية في إنشاء بعض تلك الجماعات المسلحة التي قتلت الآلاف من السوريين، والتي تمثّل الشق الثاني من المسؤولية في تقتيل مئات الآلاف من السوريين، إضافة إلى النظام السوري المجرم
أي إن هناك ممكنات عديدة للحديث في الماضي السوري، وإن وجود مفاضلة في تناول قصص الماضي بالتركيز على إجرام النظام السوري فقط وتحميله وحده مسؤولية القتل على غير حقيقة الواقع، يعني أنه تناول ليس نتيجة نظر موضوعي ذاتي، وإنما تناول نتيجة عمل موجَّه
---------------
سبق وقدّمتُ في كتابي "الربط اللامادي" مصطلح "الوعي الموجَّه"، ثم كتبتُ وقدّمتُ بعد ذلك حوله لقاءات مصوّرة
وما يحصل الآن بخصوص سوريا يمثّل عيّنة من استعمالات مصطلح "الوعي الموجَّه"
الوعي الموجَّه باختصار هو التحكّم في الناس من خلال دفعهم إلى زاوية نظر دون غيرها متعلّقة بموضوع ما، وهو موضوع صائب في ذاته، لكن توقيت ومجال استدعائه هو الذي يتمّ توظيفه
والتوظيف يتمّ إمّا من حيث المجال، حيث تُستدعى قضية جزئيًّا، أي من زاوية ما مع إغفال زوايا أخرى ممّا يشوه الحقيقة بالقدر الذي يخدم من يثير الموضوع
أو يكون تحكّمًا في المحور الزمني، بحيث يتمّ إثارة موضوع ما في فترة لا تنتمي إلى المسار الزمني الطبيعي للحدث، كما هو الحال الآن في سوريا، فقط لإشغال الناس بغرض معيّن يخدم مصلحة من يثير ذلك الموضوع
----------------
الآن، بعد سقوط النظام السوري بعام كامل، تعمل منظومات التوجيه الذهني الخليجية، القطرية والسعودية، على إعادة إشغال الناس بموضوع حصل منذ عام، بإحياء تفاصيل تجد صدى وشغفًا لدى مدمني الثرثرة، فتشغلهم بالواقع الماضي لكي لا يركزوا على الواقع الحالي
وهي قصص وتناولات من زاوية ما صحيحة، لكن إن تناولناها من زاوية أخرى سنجد أنها تمثّل نوعًا من التوظيف للإشغال عن الواقع وتوجهاته، ومنها الواقع السوري الحالي وأفقه، وتشويش عن حقيقة الأدوار الخليجية والتركية فيما يتعلّق بإسرائيل والغرب عموما.
فما يُقال حول سوريا من قصص هو إذن كلام سليم، لكن زمنُ إثارته وإفراده بالحديث دون غيره من الممكنات يجعل كل الموضوع عملًا موجّهًا بغرض التأثير والتحكّم الذهني في الناس
وكما سبق ووضّحتُ حين الحديث عن مصطلح "الوعي الموجَّه"، فإنه وعي لا خير فيه، لأنه وإن كان موضوعه سليمًا، لكنه ما دام وعيًا غير منتج ذاتيًا في وقته وفي زاوية تناوله، فإنه سيجرّ لا محالة إلى خدمة مصلحة من يثير تلك المواضيع وينفخ فيها، ويجعلك رغمًا عنك مجرّد وقود معارك وهمية.
الإشغال بالماضي لصرف الأنظار عن الحاضر: إعادة إحياء موضوع النظام السوري المعزول وجعله مدار الاهتمام
2025-12-08
924 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن