مقالات عن: صابر النفزاوي

استهداف ”الإخوان” ..أزمة ”الإسلام السياسي الاعتذاري”

2025-11-25 584 قراءة صابر النفزاوي
يأتي استهداف ”الإخـوان” أمريكيًّـا ليؤكّد -من جديد- حاجة ”الإسلام السياسي الحركي” اليوم -أكثر من أيّ وقت مضى- إلى الخروج من ضيق ”التنظيـم” إلى سعة المساحات الأفقيّـة العابرة للحدود التي تستعصي على الاحتواء السياسي أو التصنيف البوليسي التقليدي !..
المطلوب هو تجاوز منطق ”الاعتذاريّـة” الذي طبع التجربة الحركية منذ عقود؛ ذلك المنطق الذي تأسّس على ”التسوّل الاستراتيـجي” أي طلب القبول ضمن هندسات النظام الدولي بدل ”فرض الحضور” باعتبار الإسلام مرجعيةً شاملةً لا تقبل التحييد ولا الانحسار ولا الانحصار في صيغ حزبيّـة جافة ..

لقد أثبت التاريخ أن كل محاولة للاكتفاء بـ”الهيكل” المغلق أو الدخول في شبكات الشرعيّة المصنوعة في مراكز القوة العالمية تُعيد إنتاج الهشاشة نفسها ؛؛ هشاشة الخطاب وهشاشة الموقع وهشاشة القدرة على التأثير، فالسياسات الغربية تتعامل مع التنظيمات الإسلامية بمنطق ”التسمية” و”التصنيف” لا بمنطق فهم الهويّـة واستيعاب توتراتها السياقية ..
أعتقد أنّ المرحلة الجديدة تقتضي عقلًا توجيهيا مختلفًا؛ عقلًا يعيد تعريف الفعل الإسلامي بصفته ظاهرة اجتماعية وحضارية ممتدّة تنتج خطابا سياديًّـا فاعلا غير تبريري ولا دفاعي يحدّد موقع الإسلام خارج ثنائيّـة دولة/تنظيم أو حزب/سلطة، هذا الانتقال -لو حدث- من شأنه أن يلغي الحاجة إلى طلب الاعتراف من الخارج لأنه يقوم على بناء شرعيّة ذاتية متجذّرة في الأمّة ومستعليَة بها لا مستعاره من نظام دولي متربّص !..
طبعًا ما تقدّم لا يعني بأيّ حال من الأحوال إلغـاء الحركات الإسلامية والتخلّي عن فلسفة التنظّم؛ ما نقترحه هو إعادة التموقع داخل خارطة الفعل الحضاري، فالتنظيمات باقية وهي استجابة طبيعيّة لسُنّة التدافع الإيديولوجي والحركي،
غير أنّ دورها لا بُدّ أن يتحوّل من ”فاعل مركزي” إلى ”عنصـر بنيـوي” داخل مساحات أوسع تتقدّم فيها الأمة بوصفها مصدر الشرعية ومعيار الحضور دون أن يغيب عن المشهد ثقل التنظيم وأثـره !..
قد يقول أحدكم :
«هذا كلام نظـري .. مـا المطلوب من ”الإسلامييـن” فعله عمليًّـا لمجابهة الضغوط الدوليّـة ؟!!!» ..
مثل هذه الأسئلة المتفجّرة -رغم ما تبدو عليه من وجاهة وراهنيّـة- تفضح استمرار هيمنة ”العقل الأداتي” الذي يختزل التحوّلات الحضارية الكبرى في “خطوات تقنية” أو “وصفات جاهزة” وكأنّ المطلوب برنامج تشغيل لحزب أو خلية تنظيمية لا نظرية فعل حضاري تعيد بناء علاقة الإسلام بالأمّة وبالعالم،، هذا المنطق نفسه هو ما ننتقده لأنّه جزء من البنية الاعتذاريّـة التي جعلت الحركة الإسلامية أسيرة ردود الأفعال !..
قضيّة بناء شرعية ذاتية متجذّرة في الأمّة ومستعلية بها ليست قرارًا تنظيميا ولا مناورة سياسية، إنها إعادة تأسيس لنقطة البدء؛ من أين يستمدّ الفعل الإسلامي معناه ؟! ممّن يطلب الاعتراف ؟! وعلى أي أرضية قيمية يتحرك ؟ !!..
هذه التساؤلات التفصيلية المفصلية لا يجيب عنها فرد أو حتى حزب؛ المسألة من التعقيد والتركيب بحيث تحتاج إلى ”التفكير معًـا’’ أي ”تفكير جماعي مؤسّس” تتشارك فيه العقول الحركيّة والعلمية والشرعية والبحثية كي لا يتحوّل المشروع إلى أعباء يُتوقّع من أفراد معيّنين تقديم حلول جاهزة لها ..
الانتقال من “استجداء الرضا” إلى “فرض الوجود” يعني أولًا التحرّر من مركزية التنظيم بوصفه الوعاء الوحيد للفعل، وإعادة تعريفه كـعنصر بنيوي داخل شبكة حضااريّة أوسع، وهذه الشبكة أكثر وأكبر من مجرّد تحالفات، هي حقول اجتماعية وثقافية وعلمية ودعوية تنتج بتضافرها حضورًا حضاريًّـا لا يمكن رسم حدّ أمني له ولا تصنيفه ضمن قوالب المراكز الدولية ..
وأمّـا كيف “يُفعـل” ذلك فالمطلوب ابتداءً بناء وعي عام يتحدّد الإسلام داخله كمرجعية طبيعية للفعل السياسي لا مجرد شعار انتخابي أو تعبوي، ناهيك عن تفعيل المبادرات المجتمعيّة العابرة للحدود التنظيمية بحيث يصبح الحضور الإسلامي ممتدّا ومتعدّد المصادر، مبنيا على خطاب سيادي تأسيسي يضع الإسلام في موقع المعيار لا في موقع المتهم، لتتحوّل التنظيمات من مركز أو ”بؤرة’’ إلى أداة مساعِدة داخل حركة الأمة لا قائدًا يحتكر الفضاء ويختزله ..
ديناميات التغيير هذه -كما بيّنّا في كتاب «النسق الثقافي التونسي بين الإسلامية والاستعمارية(جدلية الانتماء والهيمنة)»- تصنعها منظومة منسجمة من العقول والفواعل والمبادرات التي تتحرّك في الاتجاه ذاته نحو الهدف نفسه ..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق