ما يضرنا إذا كان الطوفان سببا في أن يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط ايمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه؟ ها هي غزة أُغلقت جميعُ معابرها وبواباتها وبقيت لها أبواب السماء تطرقها بيقين وثبات ويوشك أن تُفتح لها "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"، غزة خذلناها عجزا وخذلها محور الشر العربي عمدا وخيانة، نسأل الله أن ينصرها وأن يحرّرنا من عجزنا وأن يرد كيد المعتدين وأعوانهم ومُفتيهم، أما المسلمون الذين يفهمون عن الله ورسوله ويفهون الواقع كما هو كما لا يحب الأعداء أن يكون فإنهم لا يشكون في نتيجة المعركة بين الحق والباطل وبالتالي لن يتخلوا عن فلسطين أبدا لأنها ليست قضية وطنية ولا قومية ولا ترابية بل هي قضية دين وإيمان وعقيدة لأن في الرؤية الإسلامية الأصيلة شيئا لا يفهمه أسرى التصور الغربي المحكومون باتفاقيات سيكس – بيكو، هذا الشيء هو "إنما المؤمنون إخوة" و "وأن هذه امتكم أمة واحدة"، إنها ليست أخوة أخلاقية فقط بل هي أخوة عضوية تعود ولادتُها المباركة إلى مؤاخاة المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار التي جعلت المسلمين في كل زمان ومكان "كالجسد الواحد"، وبالتالي فالأمة الوارد ذكرها في الآية هي كيان عضوي يضم جميع أتباع كلمة التوحيد مهما كانت بلدانهم ولغاتهم وألوانهم وماضيهم وثقافتهم لأن الانتماء الإسلامي يصهر كل هذا في كيان واحد عاش هكذا ثلاثة عشر قرنا حتى فتّتته القوى الغربية المعتدية بموجب تقسيم سيكس – بيكو المشؤوم وجعلت منه كيانا هشّا هزيلا تتنازع مكوناته إلى ما لا نهاية.
ونحن نعلم أنه ما من إنسان حرّ مهما كان دينُه إلا ويتعاطف مع المظلوم ويمقتُ الظالم، وقد تعاطف مع الثورة الجزائرية فرنسيون وأوروبيون وأمريكان- شخصيات وأحزابا ومنظمات مختلفة- ، كذلك وقف مع فلسطين وغزة أحرار العالم من مختلف الأديان والقوميات، أما كثير من حكام العرب فحثوا الكيان الصهيوني على ضرب الشعب الأعزل واستئصال حماس- والشيء من معدنه لا يستغرب – وجيّشوا عبيدهم الأغبياء من إعلاميين مرتزقة ومن "الشيوخ" وطلابهم وجعلوهم يجهرون بالدعاء: " اللهم سدّد رمية اليهود ضدّ حماس الإرهابية"!!!وقد ردّد ذلك خطباؤهم على منابر المساجد، وأبدى الوهابيون فرحة عارمة في بداية العدوان على غزة ثم تأسفوا أشد الأسف على فشله وعلى ثبات حماس وبقائها، فلا أقول هل هؤلاء مسلمون؟ بل أقول هل هؤلاء بشر؟ أم هم وحوش مفترسة تتلذّذ بدماء الأبرياء وبِاسْم الدين؟ لو عاشوا زمن حرب التحرير لاصطفوا مع جيش الاحتلال ضدّ المجاهدين من غير شك، لكننا الآن في مواجهة معضلة جديدة هي التخوّف من تخلي البقية عن فلسطين بذرائع شتى، وصرنا نسمع شعارات مبتدعة غريبة عن مجتمعنا مثل "لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين"، "الجزائر قبل كل شيء"، "ممثل الفلسطينيين هو سلطة رام الله"... وأخشى أن يكون بعض هؤلاء يهودا أكثر من اليهود في زمن بات اليهود والأمريكان يناصرون مقاومة فلسطين بفضل التحوّل الذي أحدثه الطوفان، وعلى كل حال أبطال المقاومة ماضون وأصابعهم لا ترتجف على الزناد كما هو حال كثير من المرجفين باللسان والحال، والمسلم الذي يفهم دينه لا يؤمن بالوطنيات الضيقة ولا بالحدود الوهمية، ويتضايق ممن يؤمن بها فيعادي ويوالي من أجلها، ذلك أن المسلم حر طليق لا يقيده شيء من وثنيات العصر الحديث، فيا أصحاب العقيدة الصحيحة إياكم أن تلوكوا هذه العبارات التي أصبحت تتردد على بعض الألسنة هذه الأيام، فنحن خلقنا الله شعوبا متنوعة وقبائل متعددة لنتعارف أي لنكون تحت مظلة الإسلام ومرجعيته، وما أضل بعضَ قومنا إلا تقديسهم لحدود سيكس – بيكو على حساب عقيدة الإسلام التي تقوم على وحدة الله ووحدة الأمة، وبموجبها نتضامن مع كل مظلوم ضد أي ظالم لكن فيما يتعلق بفلسطين الأمر يتجاوز التعاطف إلى تبني القضية كأنها قضيتنا المباشرة، لا نُعفَى من خدمتها تحت أي ذريعة، وهو ما ينبغي أن نتفانى فيه ونعلمه أبناءنا وطلبتنا وكل الناس ، فالشعار الذي عليه نحيا وعليه نموت ونربي أبناءنا: لا نعترف بالكيان الصهيوني أبدا، توجد دولة واحدة هناك اسمها فلسطين، لن ينعم الكيان بالأمن أبدا، نعلم الناس أن التطبيع خيانة لله ورسوله كما نعلمهم الصلاة والصوم، لن يكون هناك أي سلام مهما فعل مشعوذو أمريكا والشرق الأوسط وغيرهم، المقاومة هي الحل اليوم وغدا ودائما.
عبد العزيز كحيل
هل نتخلى عن فلسطين؟
2025-11-24
604 قراءة
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن