مقالات عن: تأملات

رسالة الحرية 2 :في المجتمع والزيف وصمود الوعي

2025-11-21 1165 قراءة محمد علي العقربي
المجتمع ليس الساحة الظاهرة كما يبدو للعين، بل طبقات متراكبة من الأصوات والظلال، من المبادئ المعلنة والنوايا المستورة، من الأقنعة التي يتقن الناس ارتداءها خوفاً من انكشاف ملامحهم الحقيقية.
وكلما ازدادت الأقنعة صقلاً، ضعف حضور الحقيقة، لأن الحقيقة لا تصرخ في الجموع، بل تهمس في داخل الفرد الذي يتردد في الاعتراف بصوتها.
تبدأ سلطة المجتمع حين يصنع نموذجاً مثاليّاً للنجاح وللأخلاق ولشكل الحياة المقبولة، ثم يدفع الجميع إلى الركض خلف هذا النموذج حتى يغيب كل شخص عن ذاته.
وتكمن الخطورة ليس في النموذج نفسه، بل في الإحساس الداخلي بأن القيمة لا تُمنح إلا إذا تحقق معيار خارجي.
عندها يتحول الإنسان إلى ظل طويل يتبع ما يُنتظر منه، لا ما يريده هو.

كثير من المجتمعات تتزين بالفضيلة وهي في أعماقها تخشى الحقيقة.
فالحقيقة تهدد النظام السائد لأنها تفتح أبواب الأسئلة، وتعيد ترتيب القيم، وتمنح الفرد جرأة لا يتحملها الجميع.
ولهذا يُكافأ الموافق على موافقته، ويُتهم الباحث عن جوهر الأشياء بأنه مقلق أو متمرد.
ومتى حدث ذلك يصبح الزيف ممارسة جماعية، لا خطأ فرديا.
الزيف لا يستولي على الوعي دفعة واحدة، بل يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة:
يدخل لغة الناس اليومية، يدخل عاداتهم، يدخل شكل حساسيّاتهم، يدخل الطريقة التي يمدحون بها أو يصمتون من خلالها.
ومع الوقت يتحول إلى جزء من الوعي العام حتى لا يعود من السهل تمييزه عن الحقيقة.
عندها تتلاشى الحرية في أبسط معانيها، معنى الانسجام مع الذات.

التحرر داخل المجتمع ليس انفجاراً في الشوارع، بل هو عمل صامت يبدأ حين تُطرح الأسئلة التي يخشاها الجميع.
هل هذا السلوك نابع من قناعة شخصية
هل يُقال هذا الكلام لأن الروح تؤمن به، أم لأن العادة اعتادت عليه
هل هذه الطريق اختيار داخلي، أم مجرد امتثال لما يريده الآخرون
بهذه الأسئلة يتفكك الزيف وتنكشف طبقاته واحدة بعد أخرى.
الحرية داخل المجتمع لا تعني نقض كل القيم، بل تعني إعادة وضعها في مواقعها الصحيحة.
لا يتجسد الإنسان الحر في صورة الخصم للناس، بل في صورة من يرى بوضوح، ومن يحافظ على قدرته على التفكير دون أن يتنازل عنها إرضاءً للعموم.
فالتحرر ليس صراعاً ضد الناس، بل هو مقاومة هادئة ضد استسلام العقل.

كل مجتمع يسعى إلى تحويل أفراده إلى مرايا تعكس ما يريده هو.
وحين يصمم الفرد على أن يكون نفسه، يظهر كأنه تهديد لهذا النظام العميق من الانسجام الزائف.
قد يعيش منعزلاً فترة، وقد يُساء فهمه، وقد يُتهم بالخروج عن القاعدة.
ومع ذلك يبقى الطريق الأصدق هو ذلك الذي يُختار بوعي، لا ذلك الذي تُفرضه الجماعة باعتباره الطريق الصحيح.

المجتمع الذي يعاقب الفرد الباحث عن الوضوح يعيد إنتاج نفسه بلا تطوّر.
والمجتمع الذي يسمح للفرد بأن يمارس فكره يمنح نفسه فرصة للنضج.
وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة يكتسب قوة داخلية لا تهزها الضغوط الخارجية، قوة تسمح له بأن يسير وسط الضجيج دون أن يضيع صوته.

أكثر أشكال الحرية صلابة هي تلك التي تُمارس في الداخل، في لحظات الصمت التي يتفحص فيها الإنسان وعيه، ويرفض فيها أن يخضع لما يناقض حقيقته، ويقرر فيها أن يعيش متوافقاً مع ما يراه صائباً حتى وإن سار وحده.
عند هذا المستوى يصبح الوعي قادراً على العبور داخل المجتمع دون أن تبتلعه تقاليده، وقادراً على الخروج من الزيف دون أن يفقد احترامه للإنسان، وقادراً على السير في الحياة وهو يعرف أن مصيره يُكتب من الداخل لا من الخارج.



-

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق