رغم خضـوع تونس لفـاصل استعمـاري تعدّى العقود السبعة مخلّفًـا وراءه ثـارًا عميقـة طالت بنيتها السياسية والثقافيّـة إلا أنّ الأدب التونسي لم يشهد على حد علمي على الأقل إذ إنّي أقرّ بقلة قراءاتي الأدبية طيلة السنوات الأخيـرة حركة أدبيّـة قويّـة تعكس روح ”الأدب مـا بعـد الاستعمــــاري” كما هي الحال في بعض الدول العربية والآسيويّـة، فالأدب ما بعد الكولونيـالي الهـادف إلى تفكيـك الخطابـات الاستعمـاريّـة وإعـادة صيـاغة الهويّـة الوطنيّـة من منظور مستقل لم يترسّـخ محليًّـا ترسّخَـه في الجزائر مثلًا حيث نجد أعمال وطّار وكاتب ياسين أو في مصر مع صنع الله إبراهيم الذي فضح في أعماله مثل ”اللجنة” و”شرف” آليات القمـع والهيمنة التي استمرت بعد الاستقلال ..
لاشكّ أنّ استمـرار الهيمنـة الثقـافيّـة الفرونكفونيّـة هو ما أعاق تطوّر هذا النمط الأدبي النقدي/التحرّري،، فالفرنسـة لم تنحسر بعد الاستقلال بل تمدّدت وتغوّلَت وتغلغلت عبر المؤسسات التعليمية والإعلاميّـة والنخب الأكاديميّـة والفكريّـة،، ليظل الجزء الأكبـر من الإنتاج الأدبي التونسي سواء باللغة الفرنسية أو العربية مستأسرًا للرؤية الغربيّـة التي صوّرت الاستعمار على أنه ”إنقـاذ” و”تحديـث” لا تجربة قمعيّـة أمعنـت في تفكيك الهوية الثقافيّـة ..
على عكس الروايـات النيجيريّـة التي كتبهـا تشينوا تشيبـي مثل «الأشيـاء تتداعى» والتي كشفت كيف أدى الاستعمـار إلى انهيـار البنـى الاجتمـاعيّـة التقليديّـة لم يُنتج أدبنـا نصوصًـا قويّـة تسـائل هذا الإرث بالعمـق ذاتـه، إذ يبدو أنّ الذاكرة الاستعماريّـة لم تُصَـغ بنفس الكثافة التي شهدتها دول أخرى ..
ففي الوقت الذي أبلى فيه الأدب الجزائري والمصري واللبناني كما في أعمال هدى بركات ورشيد الضعيف البلاء الحسن في تفجيـر السرديات الاستعمـاريّـة وإعـادة بنـاء الهويّـات الوطنيّـة من خلال الشخصيات والصراعات التي تواجه آثار الاستعمار، نجد أن الأدب التونسـي لم يمنح هذه المسألة الأهميّـة التي تستحـق، وحتى عندما تناولت بعض الروايات قضايـا الاستعمار كما في بعض أعمال محمود المسعدي لم تكن المقـاربة تستند إلى نقد جذري للاستعمار بقدر ما كانت تعكس نزعة فلسفيّـة وجودية لا تضع المسألة في إطارها السياسي والحضـاري المبـاشر،، وحتى محـاولات الحبيب السالمـي صاحب رواية ”المستنقـع” أو شكري المبخـوت صاحب ”الطليـاني” فبقيَت أسيـرة المقـاربات التـاريخيّة أو الصوفـيّـة دون الغوص في الجرح الكولونيـالي الغـائر كبنيـة قـائمة في الذهنيّـة الجمعيّـة لا كمرحلة ولّت وانقضَت،، في ما يمكن اعتبـاره ”تمويهًـا” عن السؤال المفصلي الحـارق :
كيف تحوَّل التحديث الاستعماري إلى جزءٍ من الحمض النووي للإنتلجينسيـا التونسية ؟!!..
وهذا الانزيـاح نحو ”اللاّ-ديكولونيـالي” يُذكِّرنـا بنقد ”غايـاتري سبيفـاك” لـلإمبرياليّـة المعرفيّـة التي تجعل المُستعمَـر يُنتج خطابًـا يرضـي توقعـات المركـز الثقافي الغربي !..
لم يكن أصوات المهمّشيـن الذين عاشوا ثـار الاحتلال بشكل مبـاشر أولويّـةً لدى نخبة أدبية مهيمنـة تتبنّـى خطابًـا حداثيًّـا أو ليبراليًّـا لا يرى في نقد الاستعمار استحقاقًـا تاريخيًّـا وظلّ يركّز أكثر على المسائل الداخليّـة دون ربطها بجذورها الكولونياليّـة ..
يبدو أنّ غيـاب تيار فكري وأدبي واضح يتبنّـى بوضوح قضيّـة تفكيـك الخطاب الاستعمـاري هو ما جعل الأدب التونسي يفتقر إلى ما يكفي من النصوص الجريئـة التي تعيد قراءة التاريخ من منظور نقدي راديكـالي،، في المقـابل نجد أن الأدب الفيتنـامي الذي تنـاول تجربـة الاستعمار الفرنسي وحرب التحرير مثل أعمال ”نغوين هوي ثييب” قد نجح في تقديم رؤية عميقة عن تأثير الاستعمار على الهوية الوطنية وهو ما تفتقر إليه السـاحة الأدبية ..
إن استعـادة الأدب ما بعد الاستعماري في تونس تتطلب وعيًا نقديا أكبر بتأثير الاستعمـار على البنية الثقافية والفكرية، وتشجيـع الكتّـاب الشبـاب على النبش في الهوامش وتنـاول القضايـا الاجتمـاعيّـة والسياسيّـة من زوايـا جديدة تتجاوز الخطاب الحداثي الاستشراقي أو التمجيد القومي التقليدي،، كما أن دعم النشر والترجمة للأعمال الأدبيّـة التي تتنـاول هذا الموضـوع يمكن أن يسـاهم في كسر احتكـار النموذج الثقـافي المسيطر وفتح المجال أمام إنتـاج أدبي يعكس عمـق الهويّـة الوطنيّة وثقلَهـا الثقـافي بعيـدًا عن ثقافة الهيمنـة البيضـاء !..
على كلّ حـال لا يُمكن اختـزال إشكاليّـة غيـاب السرد مـا بعد الاستعمـاري في الأدب في ضعف الإنتـاج فحسب، إنّنـا أمـام أزمـة ثقافيّـة بنيويّـة مركّـبـة تتداخل فيهـا عوامل الهيمنـة اللغويّـة مع انزياحـات المشروع الحداثي المحلّـي الذي اختـزل ”التحديـث” في القطيعة مع الموروث دون مراجعة نقديّـة للانكسـارات الاستعماريّـة، فبينمـا حوَّل الطاهـر وطّـار الاستعمـار إلى ”جمـرة تحت الرمـاد” تتفجّـر في نصـوصه كصراع طبقـي وهويّـاتي ظلَّت تونس تعـامـل ذاكرتهـا الكولونياليّـة كـجثّـة مُحنَّطـة في متحف التّـاريخ، تحـاكـى بلغة فرنسيّـة أنيقـة تُعيد إنتـاج خطـاب المستعمِـر بوعـي أو دون وعي،، فنخبنـا/طُغَمنـا التونسيّـة التي تلقَّفت مشـروع بورقيـبة ”التحديثـي” رأت في التمـركز حول الفرنكوفونيّـة بوابـة للاندمـاج في ”العالمـي” !..
الأدب التونسـي و”الأشيـاء التي لا تتداعـى” .. غيـاب السرد مـا بعد الاستعمـاري !
2025-11-20
459 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن