منذ أن أعلن العالم استسلامه لزمن السرعة في نهاية القرن العشرين، منذ أن صعدت الرأسمالية على ظهر التكنولوجيا وجرّت البشرية إلى سباق لا يعرف خطّ النهاية، بدأ شيء ما يتداعى داخل روح الإنسان.
كانت المدن تُبنى أسرع مما يتنفس الناس، وكان الطعام يُطهى أسرع مما تتشكل النكهة، وكانت الرحلات تتحول إلى صور، والصور إلى إعلانات، والإعلانات إلى ذاكرة جديدة بلا جذور. وفي تلك الفوضى، وُلدت حركة تبدو صغيرة، لكنها تحمل روحًا كبيرة: حركة تُبطئ الخطى كي تستعيد الأرض كرامتها، والطعام روحه، والإنسان ظله.
وسمّوها “Slow Food”، ثم “Slow Tourism”. أسماء بسيطة…
لكن خلفها ثورة كاملة.
بدأت الحكاية سنة 1986 في مدينة Bra الإيطالية، حين قرر Carlo Petrini أن يقف ضد زحف الوجبات السريعة.
يومها كان افتتاح McDonald’s قرب سلالم Piazza di Spagna بمثابة إعلان غزو ثقافي. ردّ الإيطاليون بطريقة لا تعرفها إلا الشعوب التي تفهم قيمة ذوقها، فأطلقوا حركة غذائية تعيد الاعتبار للفلاح، للأرض، للمطبخ المحلي، لـ terroir. خلال عقد واحد من1986 إلى1996 انتقلت الحركة من نادي طهو إلى حركة عالمية تضم 150 دولة، وابتداءً من 2004 أصبحت تدير أكبر تجمع عالمي للمنتجات الأصلية Terra Madre، وتخضع لجامعة الذوق في Pollenzo. فرنسا لاحقت إيطاليا، وإسبانيا لحقت فرنسا، ثم التفتت اليابان إلى قراها الجبلية وأعادت بناءها عبر برامج قال عنها اليابانيون: «نحن لا نُرمّم القرى… نحن نُرمّم النفس».
هي ثورة على السرعة، ولكنها أيضًا ثورة اقتصادية. ففي إيطاليا اليوم، 2023، تدر منتجات “Slow Food Presidia” وحدها أكثر من 1.5 مليار يورو، وتُنعش أكثر من 6500 فلاح وحرفي.
والسياحة البطيئة Slow Tourism توظف 70 ألف شخص وتنعش 5600 قرية.
في فرنسا، ارتفعت نسبة المسافرين الباحثين عن “tourisme durable” إلى 32%، وبلغت مداخيل تجارب الطعام المحلي أكثر من 9 مليارات يورو.
أما اليابان، فقد أنقذت 11 ألف قرية جبلية عبر نموذج “Inaka Tourism”، وربطت بين السياح والفلاحين في تجربة تسمى “expérience immersive du terroir japonais”.
العالم المتقدم فهم شيئًا بسيطًا:
حين يركض الناس، يفقدون المعنى.
وحين يُبطئون، يستعيدون الحكاية.
والسائح الجديد وخاصة بعد 2020، بعد جائحة شلّت العالم صار يبحث عن الأصالة لا الصورة، عن الإنسان لا الفندق، عن الطعم لا الإشهار، عن الزمن الذي يُعاش لا الذي يُستهلك.
وهنا، وسط هذه الحركية العالمية، تقف تونس، هذا البلد الذي عاش دائمًا بين البطء والسرعة.
بلد لديه من الذكريات ما يكفي لصناعة قارة، ومن الطعام ما يكفي لتغذية المتوسط، ومن الجغرافيا ما يكفي لصنع عشر تجارب سياحية لا تجربة واحدة.
لكنه بلد لم يفهم بعد أن قوته ليست في البحر… بل خلف البحر.
ليست في الفنادق… بل خارج الفنادق.
وليست في السائح الأوروبي رخيص الميزانية… بل في السائح الباحث عن تجربة حقيقية، عن قصة، عن أصل.
تونس دون أن تدري مارست “Slow Food” قبل أن يولد المصطلح.
الكسكسي المتوارث منذ قرون هو طبق بطيء.
الملوخية التي تُطهى لساعات هي ممارسة غذائية ذات جذور قرطاجية ورومانية.
الهريسة التي تعجنها أيدي النساء هي منتج terroir لا يقل قيمة عن الـ Piment d’Espelette الفرنسي.
الزيتون الذي يُجمع حبة حبة في الساحل هو نموذج عالمي لزراعة مستدامة.
في كتب التاريخ، تقول المصادر البيزنطية إنّ تونس كانت تُصدر زيت الزيتون إلى روما منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وفي القرن الحادي عشر، كتب الجغرافي الإدريسي أن «طعام إفريقية هو الأكثر نضجًا ونقاءً في المغرب».
كل هذا التراث… ولم يتحول بعد إلى اقتصاد.
حتى السياحة، وهي القطاع الذي كان يُفترض أن يكون محرّك البلاد، بقيت رهينة البحر والفنادق و«الشمس بثمن منخفض».
منذ السبعينات إلى اليوم لم يتغيّر النموذج: نفس السائح، نفس الفندق، نفس الخسائر الموسمية، نفس هشاشة الداخل. وكأن تونس قررت أن تعيش على نصف إمكاناتها فقط.
والحقيقة أن تونس تمتلك فرصة لم تعد تمتلكها العديد من دول أوروبا: الأصالة. Authenticité. تمتلك القرى التي لم تفسدها العولمة..
تمتلك البيوت الحجرية
السقائف..
المعاصر القديمة..
الأسواق، الحرف...
المراكب الخشبية..
الحدائق الصغيرة..
المزارع التي تُروى بنفس الطريقة منذ مئات السنين.
تمتلك الزيت، الخبز، التمر، الليمون، البقول، الأعشاب الطبية، والفخار.
تمتلك «مادة خام للهوية» يمكن أن تتحول إلى ذهب.
لكن ما الذي ينقص؟
ينقص السرد. ينقص المشروع. ينقص العقل الذي يجمع الأطراف. ينقص أن نقول للعالم: هذه تونس كما لم تروها من قبل.
لو أرادت تونس وأقول لو أرادت لأن الإرادة السياسية هي رأس الأمر يمكنها خلال عشر سنوات فقط أن تصبح أول دولة في أفريقيا والعالم العربي في السياحة البطيئة والغذاء البطيء.
ليس كلامًا… بل أرقامًا.
1 يمكن خلق 7 مسارات وطنية كبرى:
• Route de l’Huile d’Olive من الساحل إلى زغوان
• Route du Couscous من الكاف إلى قبلي
• Route des Oasis في الجريد
• Route des Herbes du Nord-Ouest في باجة وجندوبة
• Route des Fromages Artisanaux في الكاف وسليانة
• Route des Poteries Traditionnelles في نابل
• Route des Ports Anciens في قرقنة وصفاقس والهوارية
هذه المسارات وحدها يمكن أن تجذب 800 ألف سائح سنويًا سائح ذو قيمة عالية، لا سائح يبحث عن الأرخص.
2 يمكن إحياء 70 قرية مهجورة وتحويلها إلى “Albergo Diffuso”، النموذج الإيطالي الذي أعاد الحياة إلى 113 قرية منذ 1998. في تونس، القرى موجودة، والهياكل موجودة، والهوية موجودة… ينقص فقط القرار.
3 يمكن إنشاء 200 دار ضيافة جديدة، كل واحدة قادرة على خلق 10 وظائف مباشرة و15 غير مباشرة. هذا وحده يخلق أكثر من 5000 وظيفة.
4يمكن تسجيل 20 منتجًا تونسيًا بنظام AOP أو PDO في أوروبا: زيت الزيتون الشمال الغربي، دقلة نور نفطة، هريسة نابل، جبن الكاف، ليمون الوطن القبلي، والكثير غيرها.
5 يمكن خلق مداخيل بين 3 و5 مليارات دينار خلال عشر سنوات من الصناعات الغذائية التقليدية وحدها.
7 يمكن تحويل تونس إلى «مختبر المتوسط» laboratoire du Slow Mediterranean — حيث يجتمع الطهاة والباحثون والفلاحون. وتجعل تونس وجهة للورشات، للتكوين، للبحث.
كل شروط النجاح موجودة.
كل الأرقام ممكنة.
كل النماذج مثبتة دوليًا.
يبقى السؤال الذي يطارد هذا البلد منذ 60 عامًا: لماذا لا نبدأ؟
ربما لأن تونس لم تؤمن يومًا بأن قوتها في ذاكرتها.
ربما لأنها رأت في نفسها بلدًا صغيرًا.
لكن ما لا يفهمه الكثيرون هو أن البلدان الصغيرة تصنع المعجزات حين تبني مشروعًا كبيرًا.
سنغافورة 1965كانت أقل من تونس إمكانًا.
كوستاريكا كانت أفقر.
البرتغال نفسها أعادت اختراع قراها بعد أزمة 2008
. فلماذا لا تفعل تونس الشيء نفسه؟
الجواب في كلمة واحدة: الجرأة.
الجرأة على اختراق الصورة القديمة.
الجرأة على إلغاء النموذج السياحي العتيق.
الجرأة على خلق سردية جديدة تقول للعالم:
تونس ليست محطة صيف… بل تجربة حياة.
حين يفهم صانع القرار هذا، وحين يُترك المجال لخبراء الاقتصاد والثقافة والهوية لوضع خطة وطنية، يمكن لتونس أن تعود، أن تنهض، أن تخرج من ضجيج السياسة إلى معنى الاقتصاد.
يمكنها أن تصبح بلدًا يزوره الناس لا لالتقاط صورة… بل لالتقاط الحياة نفسها.
وحين تبطئ تونس خطوتها، حين تتنفس كما تتنفس القرى القديمة، حين تستعيد صوت الريح بين الحقول، حين تضع الهريسة والزيت والكسكسي والتمر ضمن مشروع اقتصادي وطني… ستسبق الجميع.
مانيفستو البطء العظيم...كيف يمكن لتونس أن تعيد إختراع نفسها عبر Slow tourism
2025-11-20
531 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن