في تونس، هناك مدن تُقرأ لا من بوّاباتها، بل من تجاعيد جبالها،
مدن تكتب أسماءها بالماء الساخن لا بالمداد البارد…
وما بين الجغرافيا والقدر، تقوم حمّام الأنف مثل فكرةٍ قديمة لم تُفكّك بعد، وكأنها مدينة كُتبت في الهامش ثم صعدت فجأة إلى المتن.
مدينةٌ تقف تحت كتف جبل بوقرنين، كأنها تتكئ على أبٍ عجوزٍ يحرسها منذ آلاف السنين…
مدينةٌ تتنفّس الدخان الكبريتي وتعيش على حواف الأساطير،
وتُداري جروحها بين الطمي والطين، كأنها تُخفي سرًّا أكبر من قدرتها على البوح.
هذه ليست “حمّام الأنف” التي تعرفونها اليوم، بل حمّام الأنف التي ضاعت بين الإهمال والضجيج، بين الخراب ومحاولات الترميم، بين ذاكرةٍ رومانية وواقعٍ لا يليق بتاريخها.
قبل أن تحمل المدينة اسمها العربي، لم تكن سوى “نارو”، وهي كلمة بونية تعني “النار”.
وكان البربر والقرطاجيون يدركون جيّدًا ما يفعلون؛ فالينابيع هنا لم تكن مياهًا، بل أنفاسًا تخرج من جوف الأرض، مشبعة بالكبريت، لها رائحة لا تُشبه شيئًا سوى بداية الكون.
ثم جاءت روما.
روما التي لا تبني حمّامًا إلا إذا كان نذير ثراء أو شفاء أو عبادة.
فشيّدت منشآتها وأسكنت الجنود والمرضى والرحّالة، وسمّت المكان “Aquae Persianae”، مياه بيرسينا.
اسمٌ غامض، لكنّ الغموض هو عادةُ الإمبراطوريات حين تخجل من أن تعترف بقوة الأرض التي احتلّتها.
لقد كانت حمّام الأنف مستشفى طبيعيًا، وملتقى للثقافات، وورشةً للشفاء، ومرآةً للطقوس التي مزجت الميثولوجيا بالطب، والنار بالماء.
لم يكن “الأنف” مجرّد استعارة.
ففي علوم الجغرافيا القديمة، كان “الأنف” نقطةً بارزة، رأسَ جبل، شيئًا يشبه الحدود بين الطبيعة والنظرة الأولى.
ومع الزمن، صار الأنف رمزًا اجتماعيًا وسياسيًا: الكبرياء، الشموخ، القدرة على تحدّي الهواء.
ولذلك، حين نزل أحد بايات تونس القديم للينابيع طلبًا للشفاء قصة يرويها أهل حمّام الأنف كأنها منقوشة على الحجر استعاد الباي عافيته وارتفع “أنفه السلطاني” من جديد.
ومن يومها، ارتبطت المدينة بالعرش… وصارت رمزًا لشفاء السلطة نفسها.
وفي العهد الحسيني، بنيت القصور والمصايف والمرافق، فصار قصر حمّام الأنف أشبه بـ قصرٍ للدولة داخل الجبل:
– تُدار فيه شؤون الحكم،
– وتُقام فيه الولائم،
– وتُصنع فيه بعض القرارات التي غيّرت مصير البلاد.
كان البايات يعرفون قيمة المكان.
يعرفون أن الجغرافيا ليست ترابًا… بل طاقة.
وأن المدن التي تملك الماء الساخن تملك التاريخ أيضًا.
حمّام الأنف منطقة جيولوجية فريدة.
مياهها الحارّة نتاج نشاطٍ حراريّ عميق، يتشكّل من التقاء طبقات الأرض، وتسرّب المياه، وتفاعل الكبريت مع الصخور.
ولهذا كانت منذ القدم مقصدًا للعلاج من أمراض الجلد والمفاصل والتنفس.
المدينة أشبه بمعبدٍ مفتوح…
مدينةٌ تعيش على صوت الماء، وتعتقد أن كل نبع هو مسارٌ للعالم السفلي، وسلّم للأرواح، ونافذة تطلّ على الأزمنة التي انقضت.
وهنا تحديدًا يلتقي العلم بالأسطورة.
يلتقي الكبريت بالرواية.
تلتقي روما بالحسينيين.
وتلتقي تونس التي كانت، بتونس التي تحاول أن تكون.
من مدينةٍ شاهقة… إلى مدينة تُهمل نفسها
اليوم، حين تمشي في شوارع حمّام الأنف، تشعر أن المدينة كانت شيئًا وصارت شيئًا آخر.
القصر مهجور،
الحمّامات القديمة مهدّمة،
الينابيع جفّ بعضها أو تلوّث،
والمدينة تتآكل بين زحف العمران وفوضى الحياة.
كأنها مدينة خرجت من التاريخ ولم تدخل الحاضر.
كأنها أنفٌ قُطع من وجه الزمن.
ومع ذلك، يبقى اسمها صامدًا…
يبقى الأنف رمزًا للكبرياء،
ويبقى الجبل قائمًا كالشيخ الذي يرفض الموت رغم تعب السنين.
لماذا تحتاج حمّام الأنف إلى قراءة جديدة؟
لأنها مدينة يمكن أن تتحوّل إلى:
– قطب سياحي علاجي،
– موقع أثري عالمي،
– فضاء ثقافي،
– متحف مفتوح بين الجبل والبحر.
ولأن تاريخها ليس مجرد زخرف، بل مشروع دولة إذا أُحسن استثماره.
ولأن المدن التي لا تُقرأ جيدًا تموت مرتين:
مرة حين يهملها الناس…
ومرة حين تنسى نفسها.
حمّام الأنف ليست اسمًا غريبًا لمدينة عادية.
إنها طبقة من التاريخ فوق طبقة من الأسطورة فوق طبقة من الجغرافيا.
إنها مدينةٌ كتبتها النارُ قبل أن يكتبها الإنسان، وشهدتها الإمبراطوريات قبل أن ينسى وجودها المعاصرون.
وإذا كان للمدن أرواح فإن روح حمّام الأنف الآن تقف على كتف جبلها، تنظر إلى البحر، وتتساءل:
متى يعود الزمن؟
ومتى يعود الناس إلى قراءة المدينة كما تستحق؟
مدينةٌ على جبهة الزمان… لكنها تنتظر إعادة اكتشاف.
حمّام الأنف
2025-11-20
600 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن