أقصد بهذا الجديد ذلك المسلم "الجيد" في نظر الغرب، ذلك النموذج الذي تستميت الأنظمة العربية في استنساخه وترويجه باسم الدين بهدف التشويش على النسق الاسلامي وعلى غزة بالدرجة الأولى، فالقطاع المحارَب من كل جهة أظهر حالة ارتباك كبرى في الخطاب الديني حتى ضاعت بوصلة كثير من المسلمين بسبب مواقف الرموز الدينية المتّبعة وذلك رغم وضوح القضية وضوحا لا مكان فيه للالتباس والضبابية، فهي قضية واضحة المعالم والأطراف، فيها أهل بلد محتل يجاهدون عدوا واضحا، قد أعدوا له ما استطاعوا، رغم هذا رأينا "رجال دين" أصابهم الهبل و الهستيريا، أصبحوا مناصرين للعدو ضد مسلمين صاروا في أعينهم "غير جيدين" بل هم مشاغبون بل إرهابيون !!!لو اقتصر موقف هؤلاء "العلماء" على التحفظ فلربما عذرهم من عذرهم – رغم أنه لا مكان للتحفظ زمن الجهاد لأنه يصبح تخذيلا – لكننا رأينا منهم التشفي في أهل غزة، وأصل ذلك إنكار حقهم في المقاومة لأن المسلم "الجيد" يعيش منسحبا من ساحة معالي الأمور ولا يتحرك إلا وفق رؤية الحُكام وبأمر منهم لأن هؤلاء يعلمون والمسلمون جميعا لا يعلمون، وفي الحقيقة هم لا ينتقدون طوفان الأقصى بل اتجاه المقاومة كله لأنهم يؤصلون للتطبيع الذي انخرطت فيه الأنظمة الوظيفية، فيستعملون سلاح التلبيس على الناس كأنهم مشفقون على أهل غزة، بينما تعرف من كلامهم ومن لحن قولهم أنهم مرجفون يصدون المسلمين عن الجهاد ليخلو الجو للاستسلام الكامل للصهيونية، ويكفي استشهادهم المتكرر بقول الله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" رغم علمهم بسبب نزولها، وأنها ضد مقصودهم تماما، وتعني التحذير من ترك الجهاد للاشتغال بأمور الدنيا...والآن فهمنا السر في تكرار حديث القرآن عن علماء بني إسرائيل، وكيف يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويبيعون دينهم بغرض من الدنيا، وها نحن نرى صفاتهم قبيحة جلية في علماء السوء وأزلام الطغاة، لكنهم ليسوا وحدهم في الساحة الدينية والحمد لله، فبجانب النماذج السيئة هناك نماذج رفيعة مثل مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني الذي يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، والفرق بين النموذجيْن هو أن العلماء الربانيين العاملين الأحرار يملكون العلم الشرعي مثل غيرهم لكنه علم معه وعي وخوف من الله، في حين لا يوجد عند الطرف الآخر إلا الغفلة عن الله والسير في ركاب الظالمين رغبا ورهبا، وصدق ابن عطاء حين قال "خير العلم ما كنت الخشية معه".
إن الخطاب الديني المبدّل الذي يمنع نصرة غزة بأي طريقة خطير جدا على الأمة وعلى دين الله لأن شعاره هو "أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساكت"، ومسوغات أصحابه هي أن كل ما يأتي من حماس باطل، وكل حركة يقوم بها الناس فتنة، و لا حل للأمة إلا التسليم للحُكام في كل قضية وشأن، وهكذا جمعوا بين سوء الفهم وقلة الوعي، بل كثير منهم أضلهم الله على علم، وأقبحهم شأنا من يتاجرون بالعقيدة، فهم بارعون في دراستها وفاشلون كل الفشل في ممارستها، يحملون المصطلح ما لا يحتمل للتهرب من استحقاقاتها ومقتضياتها، فالواحد منهم درس العقيدة ولم يتربّ على حقيقتها ولا قطف ثمراتها لذلك لا يظهر أثرُها على سلوكه و مواقفه، بل تلبّس بصفات المنافقين وكأننا نرى يأعيننا مصداق آيات التوبة وآل عمران والنساء فيهم وهم يجوسون خلال الديار، يصطفون مع العدو ويباركون الإبادة في غزة، ويلعنون المجاهدين الذين يشاغبون على "ولي الأمر" ويتوعدون بالوبل والثبور كل مسلم يساعدهم بالدعم المالي او الإعلامي أو المقاطعة أو يدعو لهم.
إن ما سبق ذكره ليس أمرا ثانويا ولا هامشيا ولا ظرفيا، فالمسلمون أمام استهداف ثقافي ديني ممنهج ليجمدوا ويتكلسوا وينسحبوا من ساحة المكارم بل من ساحة الالتزام بثوابت القرآن والسنة حتى لا يبقى للدين صلة بالحياة ومعتركها بل يبقى حبيس المسجد والضمير كما حدث للنصرانية تماما، لذلك أصبح فضح هذا المخطط الخطير فرضا دينيا وحتمية ملحة، وكذلك فضح أدواته حتى يصبح علماء السوء فئة منبوذة يتقي المسلمون شرها لأنها فئة انسلخت من آيات الله، وبدل أن تعمل على توعية المسلم وتحصينه من الزيغ وتثبيته بحقائق القرآن والسنة عمدت إلى المساهمة القوية في إنشاء المسلم المناسب للنظام الدولي المتصهين، وهو الإنسان السلبي الاتكالي الملتزم بدين لا لون له ولا طعم ولا رائحة.
أما المسلم الرباني فنشيده الخالد هو: أدور مع الإسلام حيث دار، مع حماس حتى النصر، لن أخذل المقاومة، لن أقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني، لن أستسلم لو بقيت وحدي.
عبد العزيز كحيل
غزة وصناعة المسلم "الجديد"
2025-11-19
792 قراءة
عبد العزيز كحيل
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن