في تونس، حين تفتح قانون المالية، لا تدخل إلى عالم الأرقام، بل إلى غرفة أسرار الدولة.
هناك، تحت طبقات الجداول والتعهّدات والديون، تنام الحقيقة التي لا يريد أحد أن يراها:
أننا نعيش على القروض، ونمشي فوق أرض هشّة، وأن ميزانية الدولة لم تعد مرآة قوتها بل مرآة ضعفها.
وزارة المالية، التي وُلدت لتكون حارسة السيادة النقدية، تحوّلت إلى قلب الدولة المريض.
تخفق بالأرقام، لكنها لا تنبض بالثقة.
تجمع الضرائب من الناس، لكنها عاجزة عن جمع الثروة من الاقتصاد.
تدير الخزينة، ولكنها لا تملك الخزان.
الأرقام لا تكذب... لكنها تئنّ
في مشروع ميزانية سنة 2026، تقدّر مداخيل الدولة بـ 52,560 مليون دينار،
بينما تصل نفقات الدفع إلى 63,575 مليون دينار.
أي عجز مالي يتجاوز 11 مليار دينار،
أي ما يعادل أكثر من 21 بالمئة من الإيرادات، وهو رقم كفيل بإسقاط أي توازن مالي في دولة حديثة.
ولتغطية هذا العجز، تستدين الدولة مجددًا:
19 مليار دينار من السوق الداخلي،
و6.8 مليار دينار من الخارج.
بعبارة أوضح: نحن نقترض من جيوبنا، لنموّل رواتبنا، ثم نسدّدها من ضرائبنا.
أما اعتمادات التعهّد فقد بلغت 66,800 مليون دينار، أي أن الدولة وقّعت على التزامات تفوق قدرتها على الدفع.
نحن نكتب شيكات على المستقبل دون أن نعرف من سيسددها.
وهكذا تتحوّل الميزانية من وثيقة مالية إلى وثيقة قدرٍ مؤجل.
وزارة المالية... دولة داخل الدولة
هذه الوزارة لم تعد مجرد إدارة.
إنها سلطة داخل السلطة.
منها تمرّ كل خيوط القرار، وكل مفاتيح الصرف، وكل الأسرار.
هي من تحدد من يعيش ومن يتجمّد، من يُموَّل ومن يُعاقَب.
لكن المفارقة الموجعة هي أن وزارة المالية فاقدة للسيادة على مواردها.
فالجباية تتآكل، والامتيازات تتكاثر، والاقتصاد الموازي ينخر الدولة كما ينخر السوس جدارًا قديماً.
لقد صارت الوزارة تملك الخزائن ولكنها لا تملك السيطرة عليها.
وإذا علمنا أن عدد الأعوان المرخّص لهم في الإدارة العمومية بلغ 687 ألف موظف،
فندرك أن الدولة تُنفق أكثر مما تُنتج، وتستهلك أكثر مما تستثمر.
الوظيفة العمومية تحولت إلى إقطاعية مالية تأكل نصيب التنمية من الميزانية،
وتحوّلت الرواتب إلى أكبر بند من بنود الخوف الوطني.
الدولة التي تأكل نفسها
من يقرأ الموازنات يدرك أن تونس تُموَّل نفسها بثلاث طرق خطيرة:
الضرائب، الاقتراض الداخلي، والديون الخارجية.
ولا واحدة منها تُنتج ثروة جديدة.
كلّ سنة نرفع الضرائب، فنقتل الاستثمار.
نقترض من البنوك، فنخنق السيولة.
نزيد النفقات، فنرفع العجز.
إنها دولة تموّل حاضرها على حساب مستقبلها.
الخلل ليس في الحساب فقط، بل في الفكر المالي نفسه.
فبدل أن تكون الجباية وسيلة لتحريك الاقتصاد، أصبحت وسيلة لتخديره.
وبدل أن يكون الاقتراض استثماراً، أصبح عادةً مَرَضية.
نستدين لنعيش، لا لنُنتج.
رقمنة على الورق... وإدارة بالورق
تتحدث الوزارة عن الرقمنة وكأنها معجزة قادمة،
لكنها ما تزال تدير الجباية بعقلية السبعينات.
الملفات الورقية تملأ الأرفف، والمعطيات لا تتقاطع، والمعلومة لا تتحرك إلا بتأشيرة.
لا يوجد نظام فوترة إلكتروني شامل، ولا منظومة موحدة للربط بين الجمارك والضرائب.
هي رقمنة الخطاب لا رقمنة الدولة.
ومع ذلك، فإن التحول الرقمي ليس ترفًا.
إنه طوق النجاة الوحيد من التهرب، ومن الغموض، ومن نزيف الخزينة.
إنها ثورة صامتة يجب أن تبدأ من وزارة المالية قبل أي وزارة أخرى.
الإصلاح يبدأ من تعريف جديد للوزارة
وزارة المالية ليست محاسبًا عموميًا للدولة،
بل هي عقلها الاستراتيجي.
ينبغي أن تتحول من إدارة للجباية إلى وزارة لتدبير الثروة.
أن تبني سياسات مالية قائمة على الإنتاج لا الجباية،
وعلى الاستثمار لا الاقتراض،
وعلى الشفافية لا الغموض.
يجب أن يُسنّ قانون مسؤولية مالية يحدد سقفًا للعجز وسقفًا للدين،
ويُلزم الحكومة بخطة ثلاثية لتخفيض المديونية تدريجيًا.
كما يجب أن تُؤسس وحدة وطنية لإدارة الدين تُدير المخاطر وتراقب الالتزامات.
فلا يجوز أن تستدين وزارة دون استراتيجية ولا جدول سداد.
الإصلاح الجبائي... ليس بزيادة الضرائب بل بتوسيع القاعدة
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالضغط الجبائي،
بل بدمج الاقتصاد الموازي، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
الجباية العادلة لا تعني أن يدفع البعض أكثر،
بل أن يدفع الجميع بقدرهم.
الاقتصاد الموازي اليوم يساوي تقريبًا نصف الناتج المحلي،
وهذا يعني أن نصف الدولة يعمل في الظل.
فكيف تُصلح ميزانية نصفها في الظلام؟
المؤسسات العمومية... مقبرة المال العام
الوزارة تواصل ضخ المليارات في مؤسسات خاسرة.
الخطوط التونسية، الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ديوان الحبوب...
كلها تحولت إلى ثقوب سوداء في الموازنة.
وفي كل قانون مالية جديد، فقرة صغيرة تتكرر:
“تخصّص اعتمادات لتغطية ديون المؤسسات العمومية.”
ولكن لا أحد يجرؤ على السؤال: إلى متى؟
الجواب واضح: إلى أن يُسنّ قانون يعيد هيكلة هذه المؤسسات
إما عبر دمجها أو خصخصتها الجزئية أو تصفيتها.
فلا تنمية مع مؤسسات خاسرة، ولا إصلاح دون شجاعة.
ما العمل؟
الإصلاح لا يكون بالوعود، بل بالفعل.
ووزارة المالية لا تُنقذها قروض جديدة، بل إعادة بناء ذاتها.
ينبغي أن تبدأ بثلاث خطوات:
إصدار قانون مسؤولية مالية يُلزم الدولة بسقف للعجز والاقتراض،
إطلاق التحول الرقمي الجبائي الشامل خلال 24 شهرًا،
تأسيس هيئة وطنية لإعادة هيكلة المؤسسات العمومية بمقاييس أداء واضحة.
نحو فلسفة مالية جديدة
حين تفقد الدولة السيطرة على مالها، تفقد السيطرة على مصيرها.
المال هو السيادة، والميزانية هي روح الأمة.
ومن لا يملك ماله، لا يملك قراره.
وزارة المالية ليست جهازًا تقنيًا، بل ضمير الدولة المالي.
وحين يفسد الضمير، ينهار الجسد كله.
المطلوب اليوم ليس مراجعة حسابات، بل مراجعة فلسفة الدولة في الإنفاق والجباية.
إن الدول لا تسقط حين تُهزم في الحروب،
بل حين تُهزم في موازناتها.
والهزيمة المالية هي أخطر الهزائم، لأنها تبدأ صامتة وتنتهي بانفجار شامل.
لقد آن الأوان أن تتحول وزارة المالية من خزنة إلى عقل،
من إدارة للعجز إلى صانع للتوازن،
من وزارة للضرائب إلى وزارة للثروة.
فالإصلاح المالي ليس مشروعًا تقنيًا،
بل مشروع سيادة.
ومن دون سيادة مالية، لن تكون هناك سيادة وطنية.
“الدول تُقاد بالبوصلة المالية كما تُقاد السفن بالنجوم؛
ومن أضاع بوصلته، ضاع في بحر الديون.”
لإصلاح وزارة المالية:
اعتماد ميثاق الاستقرار المالي: يحدد سقفًا سنويًا للعجز لا يتجاوز 3 من الناتج المحلي الإجمالي ابتداءً من 2027.
إحداث مجلس مالي مستقل (Fiscal Council) لمراقبة التقديرات الحكومية وإصدار تقارير علنية مرتين في السنة.
رقمنة الجباية عبر الفاتورة الإلكترونية الموحدة وربطها بنظام مصرفي آلي لتقليص التهرب بنسبة 15 خلال عامين.
إعادة هيكلة المؤسسات العمومية من خلال دمج 20 مؤسسة خاسرة في خمس مجاميع اقتصادية قادرة على المنافسة.
إصلاح نظام الأجور في الوظيفة العمومية عبر تدقيق شامل وإيقاف الانتدابات العشوائية لمدة سنتين.
إعادة النظر في الامتيازات الجبائية عبر تقييم جدواها الاقتصادية ونشر نتائجها للعموم سنويًا.
تطوير قدرات وحدة إدارة الدين العام لتتحول إلى مركز وطني لتخطيط الاقتراض وإدارة المخاطر المالية.
تطبيق مبدأ “الخزينة الواحدة” لمنع تضارب الحسابات بين الوزارات والمؤسسات.
تعميم الموازنة حسب البرامج (Program-Based Budgeting) لربط كل صرف بنتيجة قابلة للقياس.
إطلاق بوابة الشفافية المالية كمنصة إلكترونية تنشر المصاريف العمومية يومًا بيوم، ليطّلع عليها المواطن كما يطّلع المستثمر.
قراءة في مشروع ميزانية 2026 بين الأرقام و القدر
2025-11-12
660 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن