في تونس، لا يمر التاريخ في الشوارع، بل يُسحب من بين الأظافر.
ذلك اليوم من جانفي 1978 لم يكن مجرد إضراب، بل كان لحظة سقوط القناع عن وجه الدولة الحديثة التي بناها بورقيبة على أنقاض الاستعمار.
كانت تونس، الصغيرة بين الأمم، تحلم بأن تصير "دولة القانون"، لكنها تحوّلت، في لحظة، إلى دولة الرصاص.
كان بورقيبة قد شاخ في الحكم، لكنه لم يشخ في الطموح إلى الخلود.
حوّل الدولة إلى صورة مكبرة عن ذاته: رجل واحد يتكلم، وشعب يصغي.
رئيس الوزراء الهادي نويرة كان يؤمن باقتصاد السوق، لا لأنه فهم الاقتصاد، بل لأنه فهم الولاء.
في عهده، بدأ المال يتكلم لغة السياسة، وبدأت السلطة تتخلص من آخر رموزها الاجتماعية الحية: الاتحاد العام التونسي للشغل.
ذاك الاتحاد الذي كان زمن الاستعمار مدرسة للوطنية، صار اليوم مدرسة للمعارضة.
السلطة أرادت منه أن يكون نقابة الخبز، فأصرّ أن يكون نقابة الكرامة.
ومن هنا بدأ العدّ التنازلي للانفجار.
كان العمال في المصانع يشتغلون بلا أمل، والطلبة بلا أفق، والفلاحون بلا أرض.
كانت البلاد تختنق ببطء تحت غبار الشعارات الفارغة.
كان بورقيبة يتكلم عن "التحرر"، فيما كانت تونس تتساقط في قيد جديد: قيد الحزب الواحد، والصوت الواحد، والرأي الواحد.
وعندما يتكلم زعيم واحد طول الوقت، يصبح الوطن صدى لجنونه.
في فجر 26 جانفي، حين كانت المدينة لم تستفق بعد، نزلت الأوامر من القصر:
"أوقفوا الإضراب… بأي ثمن."
وعندما يقول الحاكم “بأي ثمن”، يكون الثمن دائمًا الشعب.
خرجت الجماهير من المصانع، من الأزقة، من المقاهي، من بيوت القهر.
خرجت تونس الجائعة، تونس المتعبة، تونس التي لم تعد تصدق وعود بورقيبة.
الشوارع امتلأت بالحناجر لا بالشعارات، وبالدموع لا بالرايات.
كان ذلك الصباح رماديًا، كأن الشمس ترددت في الشروق.
وفجأة، انطلقت الرصاصة الأولى.
الرصاصة التي ستفصل بين عهدين: عهد الصبر، وعهد الغضب.
من شارع الحبيب بورقيبة إلى باب البحر، سقط الناس بالعشرات.
كان الجنود يطلقون النار بلا هدف، بلا رحمة.
لم يكن هناك عدو… بل مجرد مواطنين قرروا أن يتنفسوا.
المدينة تحولت إلى متحف للخراب: نوافذ مكسورة، دماء على الأرصفة، جثث تُجرّ إلى الشاحنات.
الناس لم تعد تميز بين صوت الرصاص وصوت الصراخ.
وفي المساء، حين أظلمت العاصمة، أعلنوا حظر التجول…
لم يكن حظرًا للخطى، بل حظرًا للذاكرة.
الأنظمة، مثل الوحوش، لا تشعر بالأمان إلا بعد أن تشرب دمًا.
ذلك الخميس الأسود كان اختبارًا لقوة الدولة الأمنية، وبروفة مبكرة لحكم زين العابدين بن علي الذي سيتعلم من المشهد كل شيء: كيف تُدار البلاد بالخوف، وكيف يُكمم الفم بالرصاص قبل أن ينطق.
منذ تلك اللحظة، صار واضحًا أن تونس لم تعد “دولة وطنية”، بل جمهورية أمنية.
صارت السياسة امتدادًا للشرطة، وصار الحوار امتدادًا للتحقيق.
الحبيب عاشور، النقابي العنيد، دخل السجن، وعاد مكسورًا.
الاتحاد العام للشغل فُكك وأعيد تركيبه كدمية في يد النظام.
أما الشعب، فقد أُعيد إلى قفص الصمت، يتفرج على نفسه في نشرة الثامنة كما يتفرج سجين على نافذته.
بعد أسبوع من المذبحة، كانت الصحف تكتب: “الوضع تحت السيطرة”.
لكن الحقيقة أن تونس لم تعد تحت سيطرة أحد.
لقد خافت من نفسها.
صار الناس يهمسون في المقاهي عن "الخميس الأسود"، كما يهمس المذنب عن الخطيئة.
صار اليوم ممنوعًا من الذاكرة، تُطمس صوره وتُزيف أرقامه.
قالت الحكومة: 46 قتيلًا.
قالت النقابات: 500.
وقال الشارع: لم نحصِهم، فقد تعبنا من العدّ.
لكن ما لا يمكن نسيانه أن ذلك اليوم هزّ مفهوم الوطن نفسه.
فكيف يكون الوطن من يطلق النار عليك؟
كيف تكون الدولة أمًّا وهي التي دفنت أبناءها بأيديها؟
ذلك هو السؤال الذي ظل يطارد كل نظام جاء بعد بورقيبة.
ولذلك لم يكن بن علي سوى امتدادٍ لذلك الخميس، لم يكن انقلابًا عليه بل تكملة له، بنفس اللغة، بنفس المنطق، بنفس الخوف.
اليوم، حين تمر في شارع الحبيب بورقيبة، وتشاهد المقاهي تزدحم والكلمات تُقال بلا خوف، تذكر أن هذا الشارع كان يومًا نهرًا من الدم.
أن الحرية التي تكتب بها الآن كانت مكتوبة هناك، بحروف من الرصاص.
الخميس الأسود ليس مجرد ماضٍ، بل نبوءة متجددة:
كلما نسينا الدم، يعود التاريخ ليذكّرنا به.
لم يكن ذلك اليوم “أسود” لأنه انطوى على مأساة، بل لأنه كشف عورة وطنٍ ظلّ يتجمّل أمام العالم بصورة الحداثة والتنوير، فيما كان في الداخل يجلد أبناءه.
الخميس الأسود هو اللحظة التي تقيّأت فيها الجمهورية كلما أخفته في بطنها من نفاق.
ولذلك بقي حيًّا، يمشي معنا في كل إضراب، في كل احتجاج،في كل صرخة عاملٍ أو طالبةٍ تُسحل في الشارع.
الدم لا يشيخ.
كل جيل يولد في تونس، يحمل في جيناته ذرة من ذلك الخميس.تلك الرصاصة التي انطلقت في شارع الحبيب بورقيبة ما زالت تدور في الهواء، تبحث عن ضميرٍ تصيبه.
وربما لهذا، حين قامت ثورة 2011، لم تكن جديدة…كانت مجرد العودة المتأخرة لصرخة 1978.
في النهاية، الخميس الأسود ليس حدثًا في التاريخ، بل مرآة تونس الحقيقية:جميلة من بعيد، دامية من الداخل.
وكل من يجرؤ على النظر إليها طويلاً… يرى وجهه، لا وجهها.
بعد أحداث 1978، استنتج بورقيبة أن كل شيء في البلاد يمكن إصلاحه… ما عدا الشعب. فقرّر أن يُعيد بناء الدولة على أسس جديدة:
الولاء بدل الكفاءة، الأمن بدل السياسة، المخابرات بدل الفكر.
تمّت عسكرة العاصمة، وجرى تعيين رجال الأمن في كل مفصل من مفاصل الدولة.
لم تعد الوزارات إدارات، بل ثكنات.
ولم تعد الصحف إعلامًا، بل بيانات رسمية تُمجّد "الانضباط" و"الهدوء".
لقد تحوّلت تونس إلى ما يمكن أن نسميه :
"مستشفى سياسي كبير"، حيث يُعالج الخوف بالرقابة، وتعالج المعارضة بالاختفاء.
صار النقابيون يُحاصرون في أعمالهم، والطلبة في جامعاتهم، والمثقفون في مقالاتهم.
وكل من كان يحلم بوطنٍ أفضل، صار يتهامس عن الوطن كمن يتحدث عن امرأة مفقودة.
كانت تلك هي السنوات التي مهدت الطريق لظهور نظام أمني كامل:
نظام لم يعد يكتفي بمراقبة الجسد، بل دخل إلى الذاكرة.
صار الخوف أسلوب حكم، والمخبر صديق البيت.
وحين جاء بن علي في 1987، لم يكن بحاجة إلى ثورة.
لقد وجد كل شيء جاهزًا: الشرطة، الملفات، والذاكرة المذعورة.
الخميس الأسود كان درسًا في الفشل السياسي، لكنه أيضًا درس في العبقرية السلطوية.
فمنذ تلك اللحظة، أدرك النظام أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو الكتلة الوحيدة التي يمكن أن تسقط الدولة إن لم تُروض.
وهكذا بدأ مشروع طويل الأمد: تدمير الروح النقابية من الداخل.
تمت السيطرة على القيادة النقابية، وتعيين رجال موالين للحزب الحاكم، وتحويل الاتحاد إلى واجهة اجتماعية بلا أنياب.
صار “الاتحاد” بعد 1978 يشبه جثة تمشي على قدمين:
يعيش من ذكرياته، لكنه لا يتحرك إلا بإذن السلطة.
وبينما كانت البلاد تتألم، كانت القيادة الجديدة تشكر النظام على “حكمة الرئيس”.
لقد أُفرغت النقابة من معناها، كما أُفرغت السياسة من شجاعتها.
وهكذا، حين وصل بن علي إلى الحكم، وجد أمامه مجتمعًا بلا حصانة:نقابات مُروّضة، أحزاب مُخترقة، صحافة خائفة، وجماهير تعلمت أن تنجو بالصمت.
الخميس الأسود لم يكن فقط مأساة سياسية، بل أيضًا نقطة تحول اقتصادية.
بعد أن أُخمد الإضراب، بدأ النظام مشروعًا جديدًا: اقتصاد بلا نقابات، بلا أجور عادلة، بلا مقاومة.
وهكذا فُتحت أبواب "الانفتاح" أمام الشركات الأجنبية، وأُغلقت أفواه العمّال.
كانت تونس، بلدًا صغيرًا بحجم خديعة كبيرة.”
دولة فقيرة تحلم بالازدهار، لكنها تبيع كرامتها للمؤسسات الدولية، وتشتري رضا الخارج بقمع الداخل.
وهكذا، حين سقط الدم في شوارع العاصمة، كان البنك الدولي يُصفّق لبورقيبة على “شجاعته الإصلاحية”!
الخميس الأسود لم يكن ضد الدولة فقط، بل ضد منطق السوق الذي يدهس الناس تحت عجلاته.
وحين فشل الإضراب، فشل معه المشروع الوطني الذي وعد بالعدالة الاجتماعية.
ومن رماده، ولدت طبقة جديدة: أثرياء الحزب، تجّار الولاء، ورجال الأمن الذين صاروا شركاء في الاقتصاد.
الدم، حين يجف، لا يختفي… بل يتحوّل إلى حبر.
الخميس الأسود كتب أول فصل في رواية الغضب التونسي التي ستُختتم مؤقتًا بثورة 2011.
لأن كل انتفاضة بعده انتفاضة الخبز 1984، احتجاجات الحوض المنجمي 2008، وحتى 14جانفي كانت مجرد صدى بعيد لتلك الرصاصة الأولى.
الجيل الذي رأى الدم في 1978 ربّى أبناءه على الحذر لا على الحرية.
وهكذا، انتقل الخوف بالوراثة، وصار الشعب يعيش في "ديمقراطية جينية"، ترفض الصدام وتخاف الحقيقة.
لكن تحت الرماد، ظل الجمر حيًا.
وحين تراكمت الأزمات، عاد صوت الخميس الأسود من عمق الذاكرة، وقال كلمته الأخيرة:
"لقد نسيتمونا، لكننا لم ننتهِ."
الخميس الأسود لم يكن فقط مذبحة، بل تأسيسًا لعقل سياسي جديد في تونس:
عقل يعرف كيف يقمع باسم الدولة، وكيف يبرر القمع باسم الأمن، وكيف يكتب التاريخ باسم المنتصرين.
ومثل كل الأنظمة التي تخاف من ماضيها، قررت الدولة التونسية أن تنسى.
لكن النسيان في بلاد مثل تونس، ليس موتًا للذاكرة، بل تأجيلًا للانفجار.
تونس التي خرجت من رحم 1978 لم تعد بريئة.
كانت تعرف أن وراء كل “إصلاح” قادم دبابة، ووراء كل “حوار وطني” ملفّ أمني.
ومن تلك اللحظة، أصبحت البلاد تعيش في مسرح كبير، الممثلون يتغيرون، لكن النص واحد: نظام يخاف الشعب… وشعب يخاف النظام.
إن الخميس الأسود لم ينتهِ، لأنه لم يُحاسب أحد.
وكل دم بلا محاسبة يتحول إلى لعنة.
تلك هي لعنة 26 جانفي التي ما زالت تلاحق تونس حتى اليوم.لأن الشعوب التي لا تملك ذاكرة، لا تملك مستقبلًا، بل تكرّر ماضيها… بأسماء جديدة فقط.
الخميس الأسود
2025-11-10
742 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن