مقالات عن: تونس التاريخية

تونس...من القيروان إلى الجمهورية،رحلة الدم و الذهب و اللغة

2025-11-10 824 قراءة عماد عيساوي
ليس هذا مقالًا عن الماضي، بل عن الذاكرة التي لم تُشفَ بعد.
فكل أرض تُروى عنها حكاية فتح، تُخفي في ترابها حكاية مقاومة.
وتونس، التي وُصفت يومًا بأنها “بوابة المغرب” و“أرض الفتح العظيم”، كانت في الحقيقة مختبرًا للتاريخ العربي نفسه:
منها بدأ التوسع، وفيها وُلد السؤال الذي لم يجب عنه أحد حتى الآن
هل كان الفتح خلاصًا أم استبدالًا للسيّد؟
لقد مرت على هذه الأرض كل الإمبراطوريات: الفينيقية، الرومانية، الوندالية، البيزنطية، العربية، العثمانية، الفرنسية...
كلها تركت آثارها، لكن لا واحدة منها استطاعت أن تمحو تمامًا ما قبلها.
وهكذا، تراكمت الطبقات فوق بعضها، حتى صارت تونس جغرافيا من الذاكرة لا من التراب فقط.وكل جيل يأتي، يحاول أن يفسّر ما حدث كما يشاء، فيُضيف طبقة جديدة من المعاني والرموز.
هذا النص ليس دفاعًا ولا إدانة، بل رحلة في قلب التاريخ المجهول،حيث يمتزج الدين بالسياسة، واللغة بالسلطة، والهوية بالذاكرة.
هو محاولة لفهم اللحظة التي وُلد فيها التونسي الجديد: لا أمازيغيًّا خالصًا، ولا عربيًّا خالصًا، بل كائنًا ثالثًا خرج من رماد القيروان وحنين قرطاج.
أكتب هذا النص لأن التاريخ لا يُغفر له أن يُكتب من طرفٍ واحد،ولأن الشعوب التي تفقد سردها، تفقد وجهها.
إن تونس التي نعرفها اليوم بمدنيّتها، واعتدالها، وتمردها ليست معجزة عابرة،بل ثمرة ذلك التنازع الطويل بين الفتح والمقاومة، بين التعريب والتنوع، بين الذاكرة والحلم.
من هنا يبدأ هذا المقال:
من أول قطرة دم في سبيطلة، إلى آخر كلمة حرة في شارع بورقيبة.رحلة في الزمن العربي للتونسي، من القيروان إلى الجمهورية،
من الكاهنة إلى بورقيبة، ومن الدولة إلى الوعي.

الفصل الأول: الدم والذهب

لم تكن تونس تُفتح، بل كانت تُختَبر. كانت الأرض يومها بين يدي البحر والرمال، أرضًا مرّت تحت أحذية الإمبراطوريات كما تمرّ الغيوم فوق الصحراء: تأتي، تُمطر قليلًا من النظام، ثم ترحل تاركة الفوضى. قبل العرب، كانت الرومانية والبيزنطية والوندالية، وكلها رفعت شعارات السماء وطلبت ذهب الأرض. حين وصل العرب، حملوا شعارًا جديدًا، لكن الهدف القديم نفسه: التوسع، والجباية، وإقامة سلطة من نوع آخر، اسمها هذه المرّة الخلافة.

سنة 647م، في خلافة عثمان بن عفان، أرسل والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح جيوشه نحو إفريقية.
كانت الدعوة الأولى للغزو باسم الدين، لكن خلفها دوافع من السياسة والمال. البيزنطيون يسيطرون على الساحل، وقبائل الأمازيغ تحكم الداخل، والبحر الأبيض المتوسط هو طريق الذهب والحبوب والعبيد. كان من يملك إفريقية يملك بوابة المتوسط، ومن يملك المتوسط يملك العالم القديم.

قاتل العرب في سبيطلة، وهناك واجههم القائد البيزنطي جرجير. لم تكن الحرب دينية كما يسوّقها التاريخ المدرسي، بل كانت حرب جباية: انتصر ابن أبي سرح، لكنه لم يحتل البلاد، بل عقد اتفاقًا ماليًا، صفقة ذهبيّة تقضي بأن يدفع الروم والأهالي فدية ضخمة مقابل انسحاب الجيوش. لم تكن تلك أول مرة يُشترى فيها السلام بالذهب، لكنها كانت بداية علاقة جديدة بين الدين والمال، بين السماء والسلطة.
يذكر المؤرخ ابن الأثير أن جيوش العرب عادت بالغنائم من إفريقية، وأن عثمان رضي الله عنه أخذ خمسها لبيت المال. ويذكر الطبري أن الجند اختلفوا على تقسيم الغنائم حتى كادت تقع فتنة بينهم. هذا يعني أن ما يُسمّى فتحًا، كان في حقيقته حرب مصالح بين أطراف مختلفة داخل الفاتحين أنفسهم.
الدم الذي سال في سبيطلة لم يكن دمًا مقدّسًا، كان دمًا سياسيًا.
الذهب الذي عادوا به إلى دمشق كان أول إغراء في سلسلة طويلة من الفتوحات، التي امتزج فيها الدين بالسيف، والعقيدة بالسياسة.
بعد تلك الحملة، انسحب العرب إلى برقة وطرابلس، وظلت تونس، أو “إفريقية”، بيد البيزنطيين وقبائل الأمازيغ التي كانت ترفض كل سلطة غريبة، سواء جاءت من القسطنطينية أو من مكة.
لكن دمشق لم تنس هذه الأرض. كانت تعرف أن من يسيطر على إفريقية، يسيطر على الغرب كله. ولذلك، حين قامت الدولة الأموية، قرر معاوية بن أبي سفيان أن يعود إلى الحلم المؤجل.
وهكذا بدأت المرحلة الثانية، الأعمق، الأخطر: لم تعد المسألة حربًا فقط، بل مشروعًا سياسيًا باسم الله. أرسل معاوية قائده الشهير عقبة بن نافع سنة 670م، هذه المرة لا ليقاتل فقط، بل ليبني قاعدة دائمة في عمق الأرض، بعيدة عن البحر وعن الروم.
وهناك، في قلب تونس، زرع خيمته، ورسم بالدم أول خط على الرمال، وقال جملته الشهيرة التي صارت تُروى كمعجزة:
“ها هنا القيروان”.
لم يكن عقبة يبني مدينة، بل يبني عاصمة لغزو طويل الأمد.
فمن القيروان، ستنطلق الحملات، ومنها سيُعاد رسم خريطة الشمال الإفريقي. لم تكن القيروان مدينة الله، بل مدينة الدولة، مدينة المشروع. لذلك، حين نقرأ عنها اليوم في كتب التاريخ، علينا أن نقرأ ما وراء الكلمات: كانت القيروان معسكرًا، لا مدينة.
كانت قاعدة الجند، ومخزن السلاح، ومركز الإدارة، ومدرسة التعريب الأولى.
ابن خلدون يصفها في “العبر” بأنها “مدينة الإسلام الأولى في المغرب”.
لكن ما لا يقوله هو أن هذه المدينة لم تُبنَ بالحجارة فقط، بل بالعنف الرمزي.
فيها وُضعت أولى اللبنات لسيطرة اللغة، وبدأ الانقلاب الكبير: السيطرة على المكان تتبعها السيطرة على اللسان، والسيطرة على اللسان تُعيد تشكيل الوجدان.
ذلك هو جوهر الفتح الإسلامي في تونس: ليس فقط أن تدخل الجيوش، بل أن تدخل اللغة إلى الضمائر.

في القيروان بدأ التعريب قبل أن يبدأ الأسلمة.
الناس الذين اعتنقوا الإسلام في السنوات الأولى ظلوا يتحدثون لغاتهم، لكن الإدارة لم تكن لتقبل إلا العربية. من أراد أن يشتغل أو أن يُقبل في ديوان، فعليه أن يتعلمها.
هكذا تحوّل الدين إلى لغة، واللغة إلى هوية.
وبذلك، بدأ الفتح الثاني الفتح الهادئ، الذي لا يُرى، لكنه يدوم: فتح اللسان والعقل.

الفصل الثاني: القيروان مشروع السماء على الأرض

كانت القيروان أكثر من مدينة. كانت فكرة.
في مخيلة الفاتحين كانت أشبه بثغر بين عالمين: عالم الروم المنهزمين وعالم البربر المتمردين.
في حسابات معاوية بن أبي سفيان كانت نقطة ارتكاز لبناء مجال نفوذ غربي يوازي نفوذ الشرق، مشروعًا سياسيًا يتدثر بثوب الدعوة.
أما في ذاكرة البلاد، فكانت القيروان أول نواة لسلطة جديدة قادمة من الصحراء، تُخضع الحواضر والجبال باسم الخلافة.

اختار عقبة بن نافع موقعها بعناية: بعيدًا عن البحر حتى لا تباغتها سفن الروم، وقريبًا من منابع الماء حتى تعيش.
كانت أرضها برية، قاحلة، لا شيء فيها إلا الصمت والريح.
لكن من هناك، أراد عقبة أن يبدأ الفتح بمعناه الاستراتيجي:
بناء قاعدة دائمة، تخضع لها القبائل، وتُدار منها الحملات.
القيروان لم تكن صدفة، بل كانت إعلان نية: أن الإسلام لن يكون زائرًا عابرًا في إفريقية، بل ساكنًا دائمًا.

ولأن كل مشروع سياسي يحتاج إلى “رمز سماوي”، جُعلت القيروان مدينة للدين أيضًا.
شُيّدت فيها المساجد الأولى، وجُمع فيها الجند والفقهاء والتجار.
منها انطلقت لغة جديدة ومصطلحات جديدة، وبدأ يتكوّن جيل جديد من السكان، نصفه عربي بالنسب، ونصفه أمازيغي بالنشأة، لكنه يتكلم العربية ويصلي بالعربية ويكتب للعربية.
ذلك الجيل كان أول نواة للتعريب الاجتماعي.
منه خرج الإداريون والفقهاء والمقاتلون الذين نشروا ثقافة الدولة الجديدة.

يقول المؤرخ جاك بيرك في دراسته عن المغرب العربي إن القيروان كانت “أول مختبر للعروبة في الغرب الإسلامي”.
وهو توصيف دقيق: لأن ما جرى هناك لم يكن مجرد تعليم لغة، بل إعادة بناء الوعي الجمعي.
تحوّل الدين إلى ثقافة، والثقافة إلى سلطة، والسلطة إلى هوية جديدة تنظر إلى نفسها في المرآة العربية، لا في المرآة الأمازيغية.
وبذلك بدأت تونس تفقد ملامحها القديمة، شيئًا فشيئًا، حتى صار العربي فيها معيار التمدن، والأمازيغي رمز البداوة.

في زمن حسان بن النعمان، الذي جاء بعد عقبة وأتمّ الفتح سنة 698م، أصبحت القيروان العاصمة الفعلية للخلافة في الغرب.
بنى فيها الدواوين، وجعلها مركزًا للجباية والجيش.
كان الهدف واضحًا: تحويل الإسلام من دينٍ للناس إلى نظامٍ للحكم والإدارة.
وهكذا دخلت إفريقية زمن الدولة.

لكن في المقابل، كان هناك من يرى في القيروان غُربة جديدة.
القبائل الأمازيغية التي أسلمت شعرت بأنها دخلت إسلامًا لا يُشبهها.
كانت تصلي مع العرب، لكنها لا تجد نفسها في لغتهم ولا في سلطتهم.
كان الإسلام بالنسبة إليها وعدًا بالعدالة، لكنه صار أداة تمييز.
هنا، بدأ الصراع الصامت بين إسلام السلطة وإسلام الناس، وهو الصراع الذي سيمتد قرونًا في تاريخ تونس والمغرب.

عقبة بن نافع نفسه، الذي عُدّ بطلاً في كتب التاريخ، انتهت حياته في مأساة رمزية.
إذ خرج من القيروان بجيشه نحو الغرب، فوصل إلى المحيط الأطلسي وقال مقولته الشهيرة:

“اللهم اشهد أني بلغت المدى ولم يبقَ إلا البحر.”
لكن في طريق عودته، في تهودة قرب الأوراس، انقضّت عليه القبائل الأمازيغية بزعامة كسيلة وقتلته سنة 683م.
كان ذلك انتقام الأرض من الغزاة، أو كما يصفه المؤرخ التونسي هشام جعيط:
“كانت معركة كسيلة نهاية مرحلة الغزو وبداية مرحلة الاستقرار.”

القيروان بقيت، لكن عقبة رحل.
الدم الذي سال هناك لم يلغِ الفكرة التي زرعها: أن الإسلام والعروبة سيكونان الوجهين السياسيين لتونس القادمة.
ومع موت عقبة، بدأت مرحلة جديدة أشد تعقيدًا: مرحلة المقاومة الأمازيغية الكبرى، بقيادة ديهيا، الكاهنة، التي ستعيد تعريف معنى الحرية ومعنى الوطن في وجه الغزاة.

الفصل الثالث: الكاهنة آخر سيدة في وجه الصحراء

في التاريخ، لا تظهر النساء كثيرًا على صهوة الحروب، إلا حين تكون الأرض في خطر.
وفي تونس، حين كانت إفريقية على حافة الانهيار بين الروم والعرب، خرجت امرأة لتقول: لا.
اسمها ديهيا، وسيسميها العرب “الكاهنة”.
امرأة من جبال الأوراس، أمازيغية الأصل، من قبيلة جراوة، جمعت بين الكاهنة والمحاربة، بين الحكيمة والملكة.
لكن التاريخ العربي لم يغفر لها أنها انتصرت عليهم لبرهة من الزمن، فحوّلها إلى أسطورة غامضة، نصفها ساحرة ونصفها شيطانة.
ومثل كل النساء اللواتي يواجهن السلطة، جرى تجريدها من حقيقتها لتُصبح رمزا يُدان ويُخاف منه في آن.
حين قُتل عقبة بن نافع، دخلت إفريقية في فراغ سياسي.
البيزنطيون في البحر ينتظرون لحظة العودة، والقبائل الأمازيغية تتساءل عن مصيرها.
في هذا المشهد، صعدت ديهيا.
لم تكن ضد الإسلام، بل ضد الاحتلال باسم الإسلام.
كانت تعرف أن ما يُعرض على قبائلها ليس دينًا فحسب، بل وصاية سياسية وثقافية.
كانت ترفض أن تصبح إفريقية مجرد إقليم تابع لدمشق، يُدار بلسان غير لسانها، وتُفرض عليه جباية باسم الخلافة.
فجمعت القبائل، ووحّدت الجبال، وقادت المقاومة الكبرى ضد حسان بن النعمان، القائد الأموي الجديد الذي جاء لإتمام ما بدأه عقبة.
يقول المؤرخ ابن خلدون إن الكاهنة انتصرت على حسان في معركة شرسة قرب تبسة، فانسحب إلى برقة.
ويقول الطبري إنها حكمت البلاد خمس سنوات كاملة، من طرابلس إلى قرطاج.
خمس سنوات من الحرية القصيرة، لكنها كانت كافية لتزرع الشك في قلب المشروع الأموي.
كانت تلك السنوات أشبه بـ"نَفَس الأرض الأخير" قبل أن تُطوى إلى الأبد تحت سلطة المركز.

أدركت ديهيا أن العرب سيعودون، أقوى وأكثر تنظيمًا، وأن المواجهة المقبلة ستكون فاصلة.
فأصدرت قرارًا رمزيًا صادمًا: أمرت بإحراق الحقول وتخريب المدن حتى لا يجد الغزاة شيئًا يطمعون فيه.
كان ذلك الفعل في نظر مؤرخي السلطة “جنونًا”، لكنه في عين الحرية سياسة يأسٍ نبيل.
لقد أرادت أن تقول:

“لن تأخذوا من هذه الأرض إلا رمادها، لأننا لن نكون عبيدًا فيها.”

وحين عاد حسان بن النعمان بجيشه، بعد أن جمع التعزيزات من مصر، كانت ديهيا تعرف أن النهاية قريبة.
قاتلت حتى الرمق الأخير، وسقطت في معركة قريبة من الهمامة، على حدود الأوراس.
لكنها لم تسقط مهزومة، بل شهيدة الأرض.
يروي بعض المؤرخين أن أبناءها أسلموا بعد موتها، وأن أحدهم قاد العرب إلى مواقع قبائلها.
تلك النهاية الرمزية كانت علامة على بداية عصر جديد:
عصر التمازج القسري بين العرب والأمازيغ، بين الفاتحين وأهل الأرض.

من بعد موت الكاهنة، تغيّر وجه إفريقية.
دخل الناس في الإسلام، لكن ليس جميعهم عن قناعة، بل عن ضرورة.
كان الدخول إلى الدين مدخلًا إلى الأمان السياسي والاقتصادي.
فالخلافة، التي كانت تُدار من دمشق، لم تكن تعرف إلا منطقين:
من أسلم فهو “أخ”، ومن لم يُسلم فهو “جزية”.
وهكذا، بدأت عملية التحوّل الكبرى:
اللغة تتغير، الأسماء تتغير، والمجتمع نفسه يبدأ في إعادة تعريف ذاته على المقاس الجديد.
ذلك هو التعريب الحقيقي، لا الذي فرضه السيف، بل الذي فرضه النظام.
الكاهنة، إذن، لم تكن عدوة الإسلام، بل كانت آخر صوت يصرخ في وجه مركزٍ يريد أن يصنع الأطراف على صورته.
وبموتها، دخلت إفريقية إلى التاريخ العربي الإسلامي رسميًا، وبدأت تُسمّى “تونس”.
لكن روح الكاهنة لم تمت، لأنها ستعود لاحقًا في كل ثورة، في كل امرأة أمازيغية ترفض الخضوع، في كل مثقف تونسي يسائل التاريخ ويسأل:
من نحن؟ عرب أم أمازيغ؟ أم مزيج من الاثنين صنعه السيف والسياسة؟

الفصل الرابع: التعريب حين تكلمت إفريقية بلسانٍ غير لسانها

لمّا سقطت القيروان في يد الأمويين نهائيًا بعد موت الكاهنة، تغيّر وجه الأرض.
لم يعد الهمّ الفتح ولا الحرب، بل إعادة تشكيل الإنسان.
لم يعد المطلوب السيطرة على القبائل، بل السيطرة على اللغة، لأن اللغة هي أعمق أنواع الفتح.
والعرب، الذين جاءوا من صحراء اللسان الواحد، فهموا ذلك بسرعة.
فمنذ تلك اللحظة بدأت إفريقية تتكلم العربية، حتى قبل أن تفكر بها.

1. لغة الدولة لا تُناقش

كان الأمويون يعرفون أن الإمبراطوريات لا تقوم إلا إذا كانت لغة السلطة لغةً وحيدة.
ففي القيروان، فُتحت أولى الكتاتيب لتعليم العربية للناشئة الأمازيغ، وأُنشئت دواوين الدولة بالعربية.
من أراد أن يدخل الإدارة أو الجيش، فعليه أن يتعلم لغة الخليفة.
هكذا صار التعريب ليس خيارًا، بل شهادة ولاء.
وفي ظرف جيلين فقط، بدأت العربية تزاحم اللاتينية والأمازيغية في المدن، وتغزو الأرياف عبر المساجد والخطب.

يقول المؤرخ جورج مارسيه إن إفريقية “كانت تُعَرَّب بالمنبر قبل أن تُعَرَّب بالمدرسة”.
فالإمام الذي يعتلي المنبر لم يكن مجرد واعظ ديني، بل ممثل للسلطة المركزية.
كل خطبة جمعة كانت درسًا في الطاعة، وكل آيةٍ تُتلى كانت تُترجم سياسيًا.
وهكذا، صار الدين أداة لتطويع اللسان والعقل معًا.

2. من اللغة إلى الهوية

اللغة ليست أصواتًا، بل رؤية للعالم.
وحين تغيّرت لغة البلاد، تغيّر وعيها بذاتها.
تحوّل الأمازيغي من إنسان الجبل والقبيلة إلى “مسلم عربيّ”، يتحدث لغة غير لغته ويكتبها بيدٍ مرتجفة.
لم يعد الوطن الجبل ولا القرية، بل “دار الإسلام” الممتدة حتى دمشق.
هكذا ذاب الانتماء المحلي في انتماء ديني سياسي أكبر، جعل من تونس “ولاية” لا “بلادًا”.

لكن هذا التحوّل لم يكن كاملاً.
في القرى والجبال بقي اللسان الأمازيغي حيًا، يقاوم في الأغاني والأمثال والحكايات.
كان الناس يتكلمون العربية في السوق والمسجد، لكنهم يعودون إلى لغتهم في البيوت.
وهكذا، نشأت الازدواجية الكبرى التي ما زالت تونس تحملها حتى اليوم:
وجهٌ عربي رسمي، وعمق أمازيغي شعبي.

3. من المسجد إلى السوق

التعريب لم يكن ثقافيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا.
فالجباية صارت تُحصى بالعربية، والعقود تُكتب بالعربية، والتجارة تُدار بالعربية.
الذي لا يفهمها، يُقصى.
وهكذا، صار التونسي مضطرًا أن يتعلمها كي يعيش.
ومن هنا بدأت علاقة تونس بالعربية كـ لغة نفعٍ وسلطة، لا كخيار وجداني.

لكن هذا التفاعل أنتج شيئًا جديدًا:
فالعربية نفسها تغيّرت في إفريقية.
اختلطت بلسان البربر، فأنتجت لهجة جديدة ما سيُعرف لاحقًا بـ“الدارجة التونسية” لغة هجينة تحمل في طياتها نبرات من الأمازيغية واللاتينية والعربية، وأحيانًا من الإيطالية والتركية.
كانت تلك اللغة الشعبية صرخة خفية في وجه التعريب الرسمي، كأنها تقول:

“خذوا السلطة والقرآن، واتركوا لنا الكلام اليومي.”

4. الدين كجغرافيا جديدة

التعريب لم يقتصر على اللسان، بل مسّ المكان نفسه.
تحوّلت المدن القديمة: قرطاج، سبيطلة، وسوسة، إلى مدن جديدة الأسماء والمعاني.
المساجد حلت محل الكنائس، والمدارس محل المعابد.
كل حجر تغيّر موقعه ليعكس السلطة الجديدة.
وبذلك أُعيد رسم الجغرافيا الرمزية لتونس:
من حضارة متوسطية إلى حضارة صحراوية شرقية.
ولم يكن هذا التحوّل بلا ثمن: فقدت البلاد جزءًا من ذاكرتها القديمة.

الآثار الرومانية أُهملت، والنقوش اللاتينية طُمست، واللغة الأمازيغية صارت تُتهم بالجهل.
كان ذلك محوًا بطيئًا للذاكرة الأصلية.
ولأن الأمم التي تفقد لغتها تفقد سردها، صارت تونس تُروى من الخارج، من كتب المشرق، لا من ترابها.
وهكذا بدأ ما يسميه المفكر عبد الله العروي بـ“الاغتراب التاريخي”: أن يُروى تاريخك بلسان غيرك.

5. النهاية المؤقتة لبداية طويلة

في القرن الثامن، بعد أن ترسخ الحكم الأموي، كانت إفريقية قد تغيّرت جذريًا.
لم تعد بلادًا أمازيغية مسيحية كما كانت، ولا رومانية كما كانت من قبل، بل صارت عربية إسلامية بالاسم، ومتعددة بالجوهر.
لكن هذا التعريب لم يُلغِ الأمازيغية، بل جعلها تحت الأرض، تنتظر قرونًا لتعود في الوعي الحديث.
إنه لم يكن موتًا للهوية، بل نومًا طويلًا داخل اللغة الجديدة.

الفصل الخامس: الهوية الممزقة تونس بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والمرآة

تونس كانت دائمًا ابنة البحر والبرّ، ابنة المتوسط والصحراء.
ومنذ أن دخلها العرب من الشرق، ووقف الروم على سواحلها من الغرب، ظلّت عالقة بين مرآتين متقابلتين: مرآةٌ ترى فيها ملامح المشرق، وأخرى تعكس وجه أوروبا.
هكذا بدأت قصة الهويّة المزدوجة التي لم تهدأ منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.

1. ميراث القيروان

حين رسّخ الأمويون سلطانهم، تحوّلت القيروان إلى رمز للانتماء المشرقي.
لم تعد مجرد عاصمة عسكرية، بل مركزًا روحيًا وثقافيًا يربط تونس بدمشق ثم ببغداد.
ومنها انطلقت طبقة العلماء والفقهاء التي ستصبح لاحقًا حراس اللغة والعقيدة.
في مقابلهم، ظلّ في الجبال والسواحل شعب يعيش بذاكرة أخرى: أمازيغية، حرة، محلية.
ذلك التناقض بين السلطة المشرقية والروح المتوسطية هو الذي سيصنع لاحقًا الشخصية التونسية المائلة دائمًا إلى التوازن والاحتجاج في آن واحد.

2. من الدولة إلى الوعي

على مرّ القرون، كانت تونس تتقلّب بين إمارات وممالك، لكنها لم تفقد حسّها بالاختلاف.
فحين قامت الدولة الفاطمية من القيروان، كانت تحمل بذور الانشقاق عن المشرق نفسه.
وحين انتقلت الخلافة إلى القاهرة، بقيت تونس تبحث عن ذاتها بين عروبة الدين ومغربية المكان.
إنها لم تتخلَّ عن العربية، لكنها لم تتخلَّ عن ذاكرتها الأمازيغية أيضًا؛ بل خبّأتها في اللهجة، في المطبخ، في الملامح، وفي الأمثال الشعبية التي ما تزال تُقال حتى اليوم.

هكذا عاش التونسي بلسانين وذاكرتين، وهو يعيش بهما إلى الآن.

3. زمن الغرب

ثم جاء البحر مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة من الغرب الحديث:
الأتراك، ثم الفرنسيون، ثم أوروبا الجديدة التي تنظر إلى تونس كحديقة أمامية للمتوسط.
في تلك اللحظة، استيقظ سؤال الهوية على نحو مؤلم:
من نحن؟ أبناء الشرق الذين جاءوا من القيروان، أم أبناء الغرب الذين تعلّموا في باريس؟
لقد أعاد الاستعمار طرح الأسئلة التي دفنتها القرون، لكنّه أيضًا أيقظ الوعي بأن التعريب الذي بدأ بالسيف تحوّل إلى أداة مقاومة.
فاللغة التي فُرضت يومًا باسم السلطة، صارت اليوم سلاحًا ضد سلطة أخرى.
ذلك هو تناقض تونس الدائم: ما يُفرض عليها، تُعيد هي تشكيله حتى يصبح ملكًا لها.

4. بورقيبة والبحث عن هوية جديدة

حين جاء الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال، وجد نفسه أمام شعب يتكلم العربية، يفكر بالفرنسية، ويحلم بمستقبلٍ غربيّ الملامح.
فقرر أن يبني هوية “تونسية” وسط هذا الخليط، مزيجًا من العروبة والعقلانية، من الإسلام والحداثة.
كان مشروعه في جوهره محاولة لردم الهوّة التي تركها الفتح الأول: الهوّة بين الشرق والغرب، بين الدين والدولة، بين الأصل والمصير.
لكن تلك الهوية بقيت قلقة، لأنها وُلدت من تناقض لا من انسجام.
وكلما حاولت تونس أن تنظر في المرآة، رأت وجهين: واحدًا من القيروان، وآخر من قرطاج.

5. الهوية كقدر مفتوح

الهوية التونسية اليوم ليست عربية خالصة ولا أمازيغية خالصة، ليست شرقية تمامًا ولا غربية تمامًا.
إنها هوية مفكَّرة، متصالحة مع التعدّد وإن لم تحسمه.
فالعربية التي كانت لغة السلطة صارت لغة الشعر، والفرنسية التي كانت لغة المستعمر صارت لغة العلوم، والدارجة التي وُلدت من اختلاط اللغات صارت لغة القلب اليومي.
هذا التعايش بين اللغات هو صورة رمزية لتونس ذاتها: بلد لا يعيش باليقين، بل بالأسئلة.

لقد أراد الفاتحون أن يجعلوا من إفريقية ولاية عربية، لكن ما حدث هو العكس:
صارت العروبة نفسها تُعَرَّف في تونس بطريقة تونسية، خفيفة، نقدية، واقعية.
ولعلّ هذا ما جعل البلاد، بعد قرون، مهدًا للفكر الإصلاحي العربي ولثورات الحداثة السياسية.

منذ القيروان إلى قرطاج الجديدة، من الكاهنة إلى بورقيبة، ومن المساجد إلى الجامعات، ظلّت تونس تبحث عن توازنها بين الأصل والمستقبل.
التعريب لم يكن موتًا لهويتها القديمة، بل كان بداية صراع طويل بين لغتين وثقافتين وذاكرتين.
وفي النهاية، ربما لم تنتصر أيٌّ منهما، بل انتصرت تونس نفسها، لأنها ظلّت قادرة على حمل هذا الخليط دون أن تنكسر.
الفصل السادس: تونس اليوم ذاكرة التاريخ وروح الدولة الحديثة

لم تعد تونس اليوم كما كانت زمن القيروان، ولا كما حلم بها بورقيبة.
لقد تغيّر العالم من حولها، وتغيّرت هي معه، لكنها لم تخرج من أسئلتها القديمة:
من نحن؟ وإلى أين ننتمي؟
إنها ما تزال تقف في مفترق الطرق بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والحداثة، بين اللغة والعقل.

1. الدولة والهوية

حين وُلدت الجمهورية سنة 1957، لم تولد من فراغ.
كانت ثمرة تاريخ طويل من المركزية، بدأ مع القيروان واستمر عبر الحفصيين والمراديين والبايات.
غير أن الجمهورية أرادت أن تكون شيئًا جديدًا: دولة وطنية حديثة، لا ولاية ولا خلافة.
وفي سعيها هذا، استعادت أدوات الماضي لتواجه تحديات الحاضر.
العربية ظلت لغة التعليم والدين، لكن الفرنسية ظلت لغة الاقتصاد والإدارة.
أما الأمازيغية، فقد بقيت صامتة، كامنة في اللهجة والوجدان الشعبي، لا تُذكر إلا في الخطاب الثقافي.
تلك الموازنة الدقيقة بين الموروث العربي والموروث المتوسطي جعلت تونس حالة استثناء في العالم العربي:
ليست دولة دينية، وليست علمانية بالكامل.
ليست عربية خالصة، وليست فرنكوفونية صافية.
بل دولة تعرف أن التنوّع ليس ضعفًا، بل وسيلة للبقاء.

2. الاقتصاد واللغة

التاريخ لا يعيش في الكتب فقط، بل في طرق التفكير والعمل.
فحتى اليوم، يمكن قراءة آثار الفتح والتعريب في الاقتصاد التونسي نفسه.
فالمدن الداخلية سليل القيروان ومحيطها تميل إلى الانغلاق والمحافظة،
بينما الساحل والعاصمة حيث البحر والروم والغرب أكثر انفتاحًا وتنوعًا.
كأن الجغرافيا السياسية القديمة ما زالت تُعيد نفسها بأسماء جديدة.
وفي التعليم والإدارة، لا تزال تونس تبحث عن لغة الدولة الحديثة.
كل محاولة لتعريب شامل تصطدم بالواقع العلمي، وكل عودة للفرنسية تُثير حساسية الهوية.
ولذلك، يعيش المجتمع في توازن لغوي دقيق:
يتكلم التونسي بالعربية، يفكر بالفرنسية، ويحلم بلهجته الخاصة.
هذا التعدد اللغوي ليس ضعفًا، بل نظام من المرونة الثقافية يسمح له بأن يتحرك في أكثر من اتجاه.

3. الدين والسياسة

منذ الثورة سنة 2011، عاد الدين إلى المجال العام بوجه جديد.
لكن تونس، بخلاف غيرها، لم تنزلق إلى الفوضى الدينية أو العسكرية.
فالتاريخ الطويل من التجانس والاعتدال، ومن فهم الإسلام كجزء من الدولة لا نقيضها، جعلها أكثر قدرة على امتصاص الأزمات.
لقد علّمتها القيروان أن الدين يمكن أن يكون نظامًا، لكن بورقيبة علّمها أن النظام يحتاج إلى عقل.
وهكذا نشأت العلمانية المرنة: لا تصادم الدين، ولا تخضع له.
تونس الحديثة تدير إسلامها كما تدير لغتها بالتوازن.

4. ذاكرة الأرض والبحر
حين ننظر إلى تونس اليوم، نراها تشبه جغرافيتها:
ضيق المساحة، وغنى المعاني.
بلاد صغيرة بمساحة، كبيرة بالرمز.
فيها الصحراء التي تتذكر القوافل العربية، وفيها البحر الذي يروي حكايات قرطاج والروم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق