في زمنٍ يُقاس فيه النفوذ الدولي لا بحجم الجيوش ولا بكمية الموارد،
بل بقوة الفكرة وقدرة الدولة على تسويق نفسها للعالم،
تحتاج تونس إلى مشروع سيادي جديد يعيد تعريف حضورها الاقتصادي على الخريطة العالمية.
إن “الهوية الاقتصادية الوطنية” ليست شعارًا دعائيًا ولا حملة تسويقية،
بل منظومة فكرية ومؤسساتية تخلق لغة مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص،
وتحوّل تونس من بلدٍ يتفاعل مع الاقتصاد العالمي إلى بلدٍ يصنع موقعه فيه.
تقوم هذه الرؤية على فكرة بسيطة:
أن الاقتصاد لم يعد مجرد توازنات مالية،
بل هوية متكاملة تُعبّر عن الفكر، الجغرافيا، والثقافة في شكل إنتاجي حديث.
الأهداف الاستراتيجية
تهدف “رؤية تونس 2030” إلى بناء اقتصاد وطني سيادي متوازن
يرتكز على الإنتاج، الابتكار، والعلاقات الدولية الذكية.
وتسعى هذه الخطة إلى:
توحيد الخطاب الاقتصادي الخارجي لتونس تحت رؤية وطنية موحدة.
مضاعفة الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال خمس سنوات.
رفع مساهمة الصادرات في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى الدول الصاعدة.
توسيع قاعدة الصادرات غير التقليدية (الصناعات الخضراء، الخدمات الرقمية، التعليم، الصناعات الثقافية).
تعبئة كفاءات التونسيين بالخارج ضمن شبكة نفوذ اقتصادي دائم.
إعادة تموقع تونس ضمن أفضل خمسين دولة في مؤشرات الصورة الاقتصادية والابتكار العالمي.
المحاور التنفيذية للرؤية
1. إنشاء الوكالة الوطنية للدبلوماسية الاقتصادية والاستثمار الخارجي
هذه المؤسسة المقترحة ستكون القلب التنفيذي للرؤية،
وتخضع مباشرة لإشراف رئاسة الحكومة لضمان وحدة القرار.
مهمتها الأساسية هي تنسيق الجهود بين وزارات الخارجية، الاقتصاد، الصناعة، التجارة، والتكنولوجيا،
وتحويل العمل الدبلوماسي إلى منظومة اقتصادية نشطة،
ترصد الفرص، تدير العلاقات التجارية، وتتابع مؤشرات حضور تونس في الأسواق العالمية.
ستكون هذه الوكالة مسؤولة عن إصدار تقرير سنوي بعنوان
"تقرير النفوذ الاقتصادي التونسي"،
يقدّم للبرلمان والرأي العام مؤشرات موضوعية حول موقع البلاد في الاقتصاد العالمي.
2. خطة الهوية الاقتصادية الوطنية
تُنشأ لجنة وطنية تضم خبراء من مجالات الاقتصاد، التسويق، الثقافة، والتاريخ،
لتصوغ الخطاب الاقتصادي التونسي في وثيقة موحدة،
تكون بمثابة “دليل الهوية الاقتصادية لتونس”.
تُبنى هذه الهوية حول فكرة جوهرية مفادها أن:
“تونس هي عقل المتوسط ومختبر إفريقيا للابتكار الأخضر.”
بهذه الرؤية، تتحول تونس من دولة عبور إلى دولة محور،
ومن بلد متلقٍ إلى بلد مبادرٍ يقود نموذج التنمية المستدامة في المنطقة.
3. برنامج السفراء الاقتصاديين
لتجسيد الرؤية ميدانيًا، يُحدث برنامج وطني يُكوّن كفاءات تونسية جديدة في مجال الدبلوماسية الاقتصادية.
هؤلاء “السفراء الاقتصاديون” يتم توزيعهم على أهم الأسواق العالمية في أوروبا، إفريقيا، وآسيا،
ويُكلّفون بترويج المنتجات التونسية، استقطاب الاستثمارات،
وبناء شبكات أعمال متينة لصالح الاقتصاد الوطني.
إنها نقلة من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية النتائج.
4. الشبكة العالمية للتونسيين في الاقتصاد الدولي
الجالية التونسية بالخارج ثروة سيادية منسية.
تحويلها إلى قوة نفوذ اقتصادي يتطلب بنية مؤسساتية جديدة.
لذلك تُقترح “البوابة الرقمية التونسية العالمية”،
منصة تربط الكفاءات والمستثمرين التونسيين في الخارج بالمشاريع الوطنية والجهوية،
وتقدّم حوافز جبائية وتمويلية للمشاريع التي تربط رأس المال المهاجر بالجهات الداخلية.
كل تونسي في الخارج يجب أن يُنظر إليه كفرصة إنتاج لا كتحويل مالي فقط.
5. المنصة الرقمية للفرص الاقتصادية التونسية
تُنشأ منصة رقمية موحدة تُدار بمعايير الحوكمة المفتوحة،
تعرض في الزمن الحقيقي فرص الاستثمار، المناقصات العمومية، والمشاريع الجاهزة للتمويل.
هذه المنصة ستكون بمثابة “الواجهة الاقتصادية الرسمية لتونس”،
توفر الشفافية، وتُعيد الثقة للمستثمرين المحليين والأجانب على السواء.
6. مبادرة الشراكات الاقتصادية الذكية 2030
تونس لا تحتاج فقط إلى شركاء سياسيين، بل إلى تحالفات اقتصادية ذكية.
لذلك تُطلق مبادرة وطنية لتأسيس شراكات مع عشر دول مستهدفة،
تركز على “التصنيع المشترك” ونقل التكنولوجيا،
في قطاعات مثل الاقتصاد الأخضر، الذكاء الاصطناعي، التعليم الرقمي، الأمن الغذائي، والصناعات الإبداعية.
هذه المبادرة ستحوّل تونس إلى قاعدة للتكامل لا ساحة للتوريد.
7. المرصد الوطني للصورة الاقتصادية لتونس
يُحدث مرصد وطني مستقل لرصد وتحليل موقع تونس في المؤشرات الدولية،
ولقياس صورتها الاقتصادية والرمزية في الخارج.
يتولى هذا المرصد تقديم تقارير دورية لمجلس الوزراء والبرلمان،
ويُعدّ البوصلة الاستراتيجية للإصلاحات الاقتصادية والديبلوماسية.
الإطار التشريعي والمؤسساتي
تحتاج الرؤية إلى إطار قانوني يؤمن استمراريتها عبر الحكومات،
ويقنن عمل الفاعلين الاقتصاديين في المجال الدبلوماسي.
لذلك يُقترح:
إصدار قانون أساسي للدبلوماسية الاقتصادية والسيادة الاستثمارية،
يحدد مهام الوكالة الوطنية وصلاحياتها وآليات مراقبتها.
تحيين مجلة الاستثمار بما يسمح بإدراج مفهوم “الشراكات السيادية الذكية” بدل الامتيازات التقليدية.
إعداد كراس شروط وطني للمسؤولية البيئية والاجتماعية للمستثمرين،
بما يضمن حماية المواطن والبيئة من الآثار السلبية للنشاط الصناعي.
آليات التمويل
تُقدّر الكلفة المبدئية لتنفيذ هذه الخطة على خمس سنوات بـ 300 مليون دينار،
تُموَّل عبر:
إعادة توجيه جزء من ميزانيات الترويج التجاري والسياحي.
مساهمة القطاع الخاص ضمن شراكات مؤسساتية.
تمويلات موجّهة من الاتحاد الأوروبي والبنك الإفريقي للتنمية والمؤسسات الصديقة.
الغاية ليست الإنفاق، بل إعادة توظيف المال العام في ما يصنع النفوذ الوطني.
الأثر المنتظر بحلول سنة 2030
تتوقع الرؤية أن تؤدي هذه الخطة إلى:
مضاعفة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ارتفاع الصادرات الإجمالية بما لا يقل عن 40%.
زيادة نسبة الصادرات غير التقليدية من 15 إلى 35%.
تحسن موقع تونس في مؤشرات التنافسية والابتكار بنحو 20 مرتبة.
إدماج فعّال للجالية التونسية بالخارج في الدورة الإنتاجية الوطنية.
خلق توازن جهوي جديد في التنمية من خلال المشاريع الذكية.
الفلسفة الفكرية للرؤية
هذه الخطة ليست مشروعًا تقنيًا فحسب،
بل محاولة لإعادة تعريف علاقة تونس بنفسها وبالعالم.
الاقتصاد لم يعد علم المال وحده،
بل علم المعنى أيضًا كيف ترى الأمم ذاتها وكيف تُقنع الآخرين بما تُنتج.
تونس لا تحتاج إلى أن تُقنع المانحين، بل إلى أن تقنع نفسها أولًا بأنها قادرة على أن تكون نموذجًا صغيرًا لذكاء الأمم.
حين تصبح الدولة فكرة قابلة للتصدير،
تتحرر من عقدة الحاجة ومن رهاب الهامش.
وحين تمتلك تونس هوية اقتصادية موحدة،
ستتحول من دولة تُساق في السوق إلى دولة تُسهم في صناعتها.
الهوية الاقتصادية ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية لدولة تريد أن تبقى فاعلة في عالمٍ سريع التبدّل.
إنها عقد وطني جديد بين الدولة ومواطنيها،
يُعيد الثقة في الإدارة، في السوق، وفي المستقبل.
تونس، بما تملك من عقلٍ متوسطي ومن تاريخٍ مؤسّس،
قادرة على أن تعود إلى موقعها الطبيعي:
نقطة التقاء بين الشمال والجنوب،
وبوابة للأفكار والمنتجات والابتكارات.
حين تمتلك الدولة روايتها الاقتصادية،
تمتلك في الوقت نفسه مكانتها واحترامها.
إن “رؤية تونس 2030” ليست وعدًا سياسياً،
بل دعوة إلى ثورة هادئة،
تبدأ من الفكرة وتنتهي بالسيادة
خطة الهوية الاقتصادية الوطنية
2025-11-09
773 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن