من قال إن النقود لا تتكلّم؟ إنها تتكلّم، وتكذب، وتفصح أحيانًا أكثر مما تفعل خطابات الساسة.
العملة ليست ورقًا ولا معدنًا، بل وثيقة سيادة ومرآة حضارة.
تاريخ تونس يمكن قراءته لا من كتب المؤرخين، بل من وجوه النقود التي مرّت عليها من الإلهة "تانيت" إلى وجه "ابن خلدون"، ومن الذهب الخالص إلى الورق المطبوع.
تونس لم تكن فقط بلدًا في التاريخ، بل مسرحًا له. والعملة كانت الممثّل الذي غيّر أدواره مع كل إمبراطوريةٍ مرّت من هنا.
قرطاج: حين كانت الأسطورة تصك الذهب
في قرطاج، المدينة التي ولدت من حيلة امرأة، كانت العملة أول قصيدة سياسية.
منذ القرن الخامس قبل الميلاد، سكّت قرطاج دراهم فضية ودنانير ذهبية تحمل وجوه الآلهة "تانيت" و"بعل حمّون"، وأحيانًا رأس حصان أو فيل.
لكن ما وراء الرموز؟
لم تكن مجرد نقوشٍ فنية، بل رسائل ناعمة إلى روما وإغريق البحر:
“نحن القوة التجارية التي تملك البرّ والبحر والسماء.”
كانت العملة القرطاجية تشتري الصمت الإغريقي، وتدفع أجور المرتزقة، وتستورد الذهب من نهر السنغال.
كل قطعة نقدية كانت توقيعًا على عهد القوة البحرية الأولى في المتوسط.
روما: حين صار الديناريوس أداة هيمنة
سنة 146 قبل الميلاد، سقطت قرطاج، لكن العملة لم تسقط.
دخل الرومان ومعهم ديناريوسهم الفضي، وأوريوسهم الذهبي.
صار المال إمبراطورًا صامتًا، على وجهه ملوكٌ، وعلى ظهره آلهة نصرٍ أو نسور.
كانت روما تفهم أن العملة أخطر من السيف:
من يسيطر على النقود يسيطر على الخيال العام.
هكذا تحوّلت تونس إلى مصنع للدعاية الإمبراطورية، تُسكّ فيها نقود تُمجّد الأباطرة كما تُطبع صورهم في ذاكرة الشعوب.
القيروان: حين صار المال عقيدة
دخل الإسلام إلى تونس، ودخل معه مفهوم جديد للمال:
من وجه الملك إلى كلمة التوحيد.
في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، سكّت القيروان دنانيرها الذهبية الأولى، خالية من الصور، مملوءة بالمعنى:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له."
لم تعد النقود تُعبّر عن السيادة الزمنية فحسب، بل عن الهوية الروحية.
كان الدينار في ذلك الزمن بيانًا عقديًا أكثر منه وسيلة تبادل.
ومن القيروان، انطلق المال الإسلامي يمول الجهاد والعلم والحج، ويمتد أثره من المغرب إلى الشام.
الأغالبة: دار السكة ودار السيادة
في القرن التاسع، أرسى الأغالبة في تونس أول دولةٍ عربيةٍ مستقلة نسبيًا عن الخلافة.
سكّوا دنانيرهم الخاصة، نقشوا أسماءهم عليها بفخر، وجعلوا منها وثيقة سيادةٍ ذهبية.
كانت عملاتهم تُتداول من طرابلس إلى صقلية، وتنافس نقود بيزنطة وزنًا وأناقة.
لقد فهم الأغالبة أن من يملك دار السكة يملك دار القرار.
وكانت عملاتهم تُعلّم التجار معنى الثقة قبل أن تُقاس بالقيمة.
الحفصيون: حين نافس الدينار التونسي ذهب البندقية
في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، كانت أوروبا غارقة في ظلامها، بينما كانت تونس الحفصية تصك دنانير تُتداول في أسواق فلورنسا وجنوة والبندقية.
الذهب التونسي كان أنقى وأدق وزنًا، حتى أن تجار إيطاليا فضّلوه على الدوكات الفينيسية.
كتب أحدهم في أرشيف جنوة:
“الدينار الإفريقي أوثق من وعد تاجرٍ أوروبي.”
تلك كانت ذروة المجد النقدي التونسي: حين صار الدينار الحفصي مقياس الثقة في البحر المتوسط.
العثمانيون والبايات: المال بين السلطان والباي
مع دخول العثمانيين سنة 1574، انقسمت السيادة بين إسطنبول وتونس.
ظهرت الآقجة الفضية والبارا النحاسية والمجيدي، عملاتٌ كثيرة وقيمةٌ مضطربة.
ثم جاء البايات الحسينيون وسكّوا الريال التونسي، أول محاولةٍ وطنية لاستعادة الوزن والهيبة.
لكن الريال لم ينجُ من التلاعب والتضخم، فصار التجار يزنونه بدل أن يثقوا به.
هكذا بدأ الخلل في مفهوم العملة كرمز للثقة، لا ككتلة معدنية فحسب.
زمن الحماية: استعمار حتى في الجيب
حين دخل الفرنسيون سنة 1881، غيّروا وجه البلاد حتى على النقود.
سكّوا الفرنك التونسي، وكتبوا عليه بوقاحة استعمارية:
“TUNISIE – PROTECTORAT FRANAIS.”
عملة استعمارية بلغةٍ محلية.
كان ظاهرها وطنيًا، وباطنها تبعيًا.
احتفظ كبار التجار بالليرة العثمانية في خزائنهم، لأنهم لم يثقوا بفرنكٍ كتب عليه الغازي اسم بلادهم.
1958: ولادة الدينار التونسي عودة الوجه الوطني
بعد الاستقلال، اجتمع رجال الدولة والاقتصاد، وتقرّر:
“لا سيادة بلا عملة.”
وفي 1 نوفمبر 1958، وُلد الدينار التونسي، بقانون من مجلس الأمة، تحت إشراف البنك المركزي.
أول أوراقه حملت وجوه ابن خلدون، عليسة، فرحات حشاد، ابن الجزار رموز فكرٍ ونضالٍ وهوية.
اختارت تونس أن تعيد كتابة تاريخها على نقودها، لتقول للعالم:
"نحن لا نطبع مالاً، بل نطبع ذاكرة."
اليوم: دينار بلا ذهب… ودولة بلا توازن
اليوم، تحوّل الدينار إلى رقمٍ في شاشةٍ باردة.
لم يعد ذهبًا ولا ورقًا، بل شيفرة تبحث عن قيمتها في عالم بلا إنتاج.
منذ التسعينات، تراجعت قوته أمام العملات الكبرى، لا لأنه بلا احتياطي، بل لأن الاقتصاد الذي يحمله بلا روح.
صار الدينار أشبه بظلّ وطنٍ متعب،
يعكس ما نحن عليه من ضعف في التصنيع، وانكماش في الثقة، وانقسام في الرؤية.
الدينار هو مرآة الدولة
من الديناريوس الروماني إلى الدينار التونسي، ظلّ السؤال نفسه يطاردنا:
هل المال هو الذي يصنع القوة، أم القوة هي التي تخلق المال؟
التاريخ يقول بوضوح:
“العملة ليست ما يُسكّ في دار السكة، بل ما يُسكّ في عقل الأمة.”
فكم من دينار بلا إنتاج صار ورقًا،
وكم من فلسٍ بإرادةٍ صادقة صار ذهبًا.
الدينار، في النهاية، ليس مجرّد وسيلة تبادل.
إنه الوجه الذي نراه في مرآة السيادة.
فإن صدأ وجهه، صدأت صورتنا معه.
دراما العملة التونسية على مسرح الزمن
2025-11-07
843 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن