في كل تاريخ أمة هناك أسماء لا يمكن أن تُمحى، لا لأنها عظيمة، بل لأنها رموز لانهيار ما.
في تاريخ تونس، يمكن أن تذكر البايات، القناصل، الثورات، لكن يظل اسم نسيم شمّامة علامة فارقة، لا كوزير ولا كقائد، بل كأول من فهم الدولة كغنيمة، لا كمؤسسة.
هو الرجل الذي جسّد، في منتصف القرن التاسع عشر، تحوّل الإدارة التونسية من جهاز سيادة إلى شركة مصالح، يملك مفاتيحها من يملك مفاتيح المال.
ولد نسيم شمّامة سنة 1805 في الحارة اليهودية بتونس العاصمة. كان ابنًا لأسرة متوسطة الحال، أبوه حاخام، وأمه من بيت تجار متواضع.
منذ شبابه، أظهر ميلًا واضحًا إلى الحساب والدهاء أكثر من الورع أو التقوى. لم يكن يحلم بوظيفة، بل بنفوذ.
البلاد في تلك الفترة كانت محكومة بالبايات الحسينيين، وكل من اقترب من بلاطهم كان يعرف أن طريق الثروة يمر عبر بابين: باب القصر، وباب القنصلية الفرنسية.
شمّامة بدأ حياته موظفًا صغيرًا في الجباية. لكن بخطّه الجميل، وذكائه في “قراءة رغبات أسياده”، سرعان ما أصبح مقربًا من كبار رجال الدولة. ثم عُيّن مسؤولًا عن جمع الضرائب، فبدأت أولى خطوات صعوده السريع. لم يكن جامع ضرائب بالمعنى التقليدي، بل كان مقاولًا في الجباية أي يجمع المال للفلاحين ويحتفظ بجزء منه كعمولة.
هكذا فهم اللعبة: الدولة فقيرة، الباي غارق في الديون، والناس مسحوقة بالضرائب. في هذه المعادلة، لا بد من وسيط “ذكي” يدير الأزمة ويُثري منها.
في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر، بدأ نجم شمّامة يعلو. تولّى إدارة الجمارك، ثم صار “القايد العام للمالية”، أي ما يعادل وزير المالية اليوم.
في تلك الحقبة، كان “خزينة الدولة” كصندوق شخصي للباي، والدولة لا تعرف مبدأ المحاسبة.
فكان شمّامة يدير مالية تونس بقدر ما يدير أمواله الخاصة.
كان يقرض الباي من ماله أو من أموال الناس ويسترجع القرض مضاعفًا بالفوائد والامتيازات والأوسمة.
أصبح في سنوات قليلة أغنى رجل في البلاد.
امتلك القصور، والأراضي، والذهب، والعلاقات مع القناصل.
وكانت أوروبا تنظر إليه كـ"رجلها في تونس"، فهو الذي يسهّل القروض، ويفتح الأسواق، ويقنع الباي بالمزيد من الديون “الإصلاحية”.
في المقابل، أصبح من أعمدة النظام الحسيني: يُستشار في المالية، ويُكرّم في القصر، ويُعامل كأمير.
أهداه الباي نيشان الافتخار، ومنحه رتبة “أمير الأمراء”، وأصدر له قرارًا بتعيينه “قايد اليهود التونسيين”.
لقد صار صوتًا داخل الدولة، ووجهًا أمام أوروبا، وجسرًا بين المال والسلطة، وبين الديون والاستعمار.
كل شيء في تونس آنذاك كان يُدار بالمال: الضرائب، الجمارك، الجندية، حتى العدالة.
وشمّامة، بذكائه التجاري، فهم أن الفساد ليس انحرافًا عن القاعدة، بل هو القاعدة ذاتها.
كان يعرف من أين تُؤكل كتف الباي، وكيف يُستمال القنصل الفرنسي، وكيف يُشترى الصمت بالهدايا والذهب.
شيّد قصرًا فخمًا في المدينة العتيقة، ما زال قائمًا إلى اليوم في حيّ الحفصية، بشرفات مزخرفة وبهو رخاميّ فخم.
كان القصر أكثر من بيت: كان رمزًا لسلطة المال على الدولة.
يدخل إليه القناصل والوزراء، ويخرجون منه بتفاهمات وقروض وولاءات.
ومن داخله، كانت تُرسم ملامح تونس الجديدة: تونس المديونة، المحمية، الخاضعة، التي سيُفرض عليها بعد سنوات "الإصلاح" الأوروبي، ثم "الحماية" الفرنسية.
عام 1864 هو عام الحقيقة.
الشعب يثور في الداخل، بقيادة علي بن غذاهم، بعد أن أثقلته الضرائب التي فرضها نفس النظام المالي الذي كان شمّامة أحد مهندسيه.
البلاد تحترق، والدولة تتداعى، ونسيم شمّامة يحزم حقائبه.
في شهر جوان من نفس العام، غادر تونس خلسة، على متن باخرة فرنسية من ميناء حلق الوادي، حاملًا معه ما يقارب عشرين مليون ريال تونسي أي ثروة دولة كاملة.
كان يهرب، لا كخائن، بل كرجل أنهى مهمته: نهب ما يمكن نهبه، وأمن خروجه بأمان القناصل.
فرّ إلى باريس، واستقرّ فيها كأمير، لا كلاجئ.
رحّبت به فرنسا، ومنحته وسام "جوقة الشرف"، ثم انتقل إلى إيطاليا بعد الحرب الفرنسية البروسية، حيث نال لقب “كونت”، وهو أول يهودي تونسي يُمنح هذا الشرف.
لم يمت شمّامة مذمومًا. بل مات في فراشه، في قصره بمدينة ليفورنو الإيطالية، سنة 1873، محاطًا بالاحترام والرفاه.
لكن بعد موته، انكشفت فضيحة الميراث: 27 مليون فرنك من الأموال المودعة باسمه.
تونس طالبت بها باعتبارها “أموال الدولة”، لكن الورثة، بمساعدة القناصل الأوروبيين، استحوذوا على أغلبها.
وللمفارقة، الوزير خزندار الذي كان يُفترض أن يسترجع المال سرق بدوره نصيب الدولة.
وفي المقابل، خلّد المجتمع اليهودي شمّامة كفاعل خير، لأنه بنى المعابد، وموّل المدارس الدينية، وساعد الأرامل.
وهكذا غُسلت الجريمة بالكرم، وتحول اللصّ إلى "مُحسن".
لكن التاريخ لا ينسى.
فالرجل الذي موّل الصدقات من المال العام، هو نفسه الذي كان أحد أسباب إفلاس الدولة، وتمهيد الطريق للوصاية الفرنسية سنة 1881.
شمّامة لم يكن وحده فاسدًا، بل كان نتاج منظومة كاملة من الولاء المزدوج:
ولاء للحاكم، وولاء للأجنبي.
كان الباي يريد من يملأ خزينته، والقناصل يريدون من يفتح أبواب البلاد أمام نفوذهم، وشمّامة وجد نفسه بينهما، فصار أداة الاثنين.
إن الفساد في زمنه لم يكن سرقة فقط، بل فلسفة حكم.
كان يعني أن الدولة تُدار كضيعة، وأن الولاء ليس للوطن بل للمصلحة.
وهذه الذهنية هي التي أعادت إنتاج نفسها بعد ذلك: من خزندار، إلى محمود بن عيّاد، إلى البنوك الأجنبية، ثم إلى الطبقة السياسية الحديثة التي جعلت المال أداة سلطة.
شمّامة لم يسرق خزينة فحسب، بل سرق ثقة الدولة في نفسها، وحوّل فكرة الحكم إلى صفقة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تونس تُدار بالعقيدة أو بالقانون، بل بالمال وبالمصالح الخارجية.
من هو نسيم شمّامة اليوم؟
ربما لم يعد اسمه ظاهرًا، لكن روحه ما زالت بيننا:
في كل مسؤول يختلس باسم “الإصلاح”،
في كل رجل أعمال يشتري النفوذ بصفقات مظلمة،
في كل وزير يفاوض صندوق النقد على شروط لا يفهمها،
في كل سياسي يغادر البلاد آمنًا بعد أن ينهبها.
شمّامة لم يكن مجرد لصّ، بل كان أول من أعطى الفساد عقلًا، ولسرقة الدولة شرعية.
وبينما خُلّد اسمه على جدران المعابد، بقي عاره محفورًا في ذاكرة التاريخ.
لقد كان أول من جسّد "الاحتلال الداخلي"، حيث يستعمر المال الدولة قبل أن تستعمرها الجيوش.
وبعد قرنين تقريبًا، ما زال السؤال نفسه يطارد تونس:من يحكمها فعلًا؟السلطة أم المال؟الدولة أم من يملكونها؟
نسيم شمّامة
2025-11-07
857 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن