في تونس، حين تسير بين القرى والجبال، تلمح قبابًا خضراء كنجومٍ نائمة على الأرض، تتوزّع كما تتوزّع المقابر، وتروي الحكاية القديمة لهذا البلد الذي علّق قلبه في السماء. هنا "زاوية"، وهناك "سيدي"، وهنالك "للّا"، وفي كل ركنٍ ظلّ لرجلٍ مات ولم يمت. بلدٌ يعبد الأولياء أكثر مما يؤمن بالأنبياء، ويزور القبور أكثر مما يقرأ الكتب.
لماذا كل هذه الزوايا؟ ولماذا كل هذا التقديس؟ من هم هؤلاء الأولياء الذين يُصنع لهم الضريح قبل أن يكتب عنهم التاريخ؟ ومن أين جاء هذا الارتباط الغريب بين الروح والسلطة، بين الصلاح والدولة؟
هذا سؤالٌ يُفتح كلّ مرة كما يُفتح الجرح. والتاريخ، في تونس، لا يُكتب بالحبر، بل يُكتَب بالرموز، بالدهاء، وبالنسيان أيضاً.
من الرباط إلى الزاوية: ولادة المؤسسة الروحية للدولة
الزاوية في أصلها لم تكن مكانًا للعبادة فحسب، بل كانت مؤسسة متعدّدة الوظائف: مدرسة، مأوى، مستشفى، وبيتاً للفقير والمسافر والعابر.
في العهد الحفصي (1229 – 1574م)، حين كان الساحل التونسي يُدار من القيروان وتونس العاصمة، كانت الدولة في حاجة إلى شبكةٍ من الوسطاء الروحيين والسياسيين لبسط نفوذها على القبائل والصحراء. فكانت الزوايا هي الجسر، وكانت العمامة أكثر نفوذًا من السيف.
بنى الحفصيون الزوايا على الطرق التجارية وفي الواحات، لحماية القوافل وتدعيم شرعيتهم بين القبائل. ومع الزمن تحوّلت هذه الزوايا إلى معاقل روحية، مدارس علمٍ وفقهٍ، وأحيانًا إلى مراكز نفوذ تملك الأرض والرجال.
ثم جاء العثمانيون، وأُقيمت الدولة الحسينية سنة 1705، ففهم البايات باكرًا أن الشرعية السياسية في تونس لا تُؤخذ من الباب العالي فقط، بل من «سيدي فلان» و«زاوية علّانة». فكانت الزاوية شريكًا غير معلنٍ في الحكم، ومجالًا لتبادل المصالح بين السماء والأرض.
الولي الصالح: بين الأسطورة والسياسة
لم يكن كل من لبس الجبة وسكن الزاوية وليًا صالحًا. بعضهم كان زاهدًا حقًا، وبعضهم كان تاجراً في البركة، وسياسيًا متخفيًا بثوب الدراويش.
الزوايا الكبرى كزاوية سيدي إبراهيم الرياحي في العاصمة، وزاوية سيدي بوسعيد الباجي، وسيدي عبد القادر الجيلاني في الجنوب كانت في آنٍ واحد مدارس روحية ومراكز نفوذ اجتماعي.
سيدي إبراهيم الرياحي، مثلاً، كان عالماً وسياسيًا ودبلوماسيًا، درس في الزيتونة، وسافر إلى المغرب وإسطنبول ممثلاً للبايات، وأدخل الطريقة التجانية إلى تونس سنة 1828. أمر أحمد باي ببناء زاويته تخليدًا له، فصارت المكان الذي يلتقي فيه الدين بالسلطان، والروح بالسلطة.
لكن في المقابل، كم من الزوايا صارت دكاكين للكرامات! تُباع فيها الأحلام وتُستثمر فيها الخرافة.
كم من شيخٍ ورث الزاوية كما يُورّث الإقطاع، وكم من "فقيرٍ" دعا إلى الطاعة حين ثار الناس على البايات.
التاريخ يروي أن بعض الزوايا تواطأت في كبح ثورة علي بن غذاهم سنة 1864، حين كانت القبائل تهتف ضد ظلم الباي، فاختارت بعض الطرق الصوفية «السلام» على حساب «العدالة». وهنا تحوّلت الزاوية من محرابٍ للمقاومة إلى مكتبٍ للوساطة.
الاستعمار الفرنسي: حين استثمرت فرنسا في النعاس الروحي
حين دخلت فرنسا تونس سنة 1881، لم تكن الزوايا غريبة عنها. فقد درستها في الجزائر والمغرب، وفهمت أن الزاوية في بلاد المغرب ليست فقط مكاناً للعبادة، بل خزانةٌ للنفوذ الشعبي.
فرنسا لم تُنشئ الزوايا، لكنها دعمت بعضها وسكتت عن بعضها الآخر. استخدمت "الزهد" كوسيلةٍ لترويض الشعب، وشجعت الطرق الصوفية التي لا ترفع شعار المقاومة.
في الأرشيف الاستعماري الفرنسي، نجد تقارير عن مشايخ و"مرابطين" موالين للإدارة، وأخرى عن طرقٍ تم تصنيفها بالمعادية.
كانت السياسة الاستعمارية واضحة: لا نحارب الدين، بل نحتويه. لا نحطم الزوايا، بل نُدخلها في منظومتنا.
فصارت الزاوية في بعض المناطق مؤسسة «مطيعة» تؤدي وظيفة اجتماعية لصالح المستعمر، بينما بقيت زوايا أخرى (مثل القادرية في الجنوب والرحمانية في الشمال الغربي) تُخفي بين جدرانها بذور التمرد.
الزاوية والدولة الحسينية: زواج المصلحة
العلاقة بين البايات والزوايا كانت أشبه بزواجٍ سياسيٍ طويل الأمد. الباي يحتاج إلى دعاء الشيخ، والشيخ يحتاج إلى عطايا الباي. الزاوية تمنح الغطاء الروحي، والدولة تمنح الأراضي والإعفاءات.
أحمد باي بنى زاوية سيدي إبراهيم الرياحي في قلب العاصمة لتكون «قُبّة السلطة»، بينما دعم علي باي الزاوية التجانية، وارتبطت الدولة الحسينية بشبكةٍ من الأولياء الكبار: سيدي محرز، سيدي عبد السلام الأسمر، سيدي بوسعيد، وسيدي أبي الحسن الشاذلي.
لقد أدرك الحكام أن السيطرة على الأرض تمرّ عبر السيطرة على الوجدان. وكان الشيخ، في كثير من الأحيان، سفيرًا بين القبيلة والدولة. يحمل الرسائل، ويُصلح بين العروش، ويُخدّر الوعي بخطبةٍ عن الطاعة والقدر.
بين القداسة والتوريث: حين مات الأولياء وبقيت الزوايا
بعد الاستقلال، تغيّر المشهد. بورقيبة، الذي لم يكن يؤمن بالكرامات، أغلق بعض الزوايا وأدخل بعضها الآخر تحت رقابة وزارة الشؤون الدينية. لكنه لم يستطع قتل الفكرة. فالزاوية بقيت في الوجدان الشعبي، تمارس دورها الخفي في الريف والمدينة، في السياسة كما في الروح.
ثم جاء زمنٌ آخر، فصارت الزوايا جزءًا من «الهوية الثقافية» والسياحية، تُزار وتُصوّر وتُرمم، لكنها فقدت عمقها الاجتماعي القديم.
تراجعت وظيفتها التربوية، وانكمش دورها الإصلاحي، وبقيت مجرد رموز تُستدعى وقت الحاجة، أو تُستثمر في المناسبات الرسمية كتراثٍ وطني أكثر من كونها مؤسسة حية.
الزاوية اليوم: أثرٌ روحي أم ذكرى سياسية؟
من يزور اليوم الزوايا القديمة في تونس، من العاصمة إلى تطاوين، يرى مزيجاً من الجمال والخذلان.
زوايا بعضها صار خراباً، وبعضها صار متحفًا، وبعضها لا يزال ينبض بدعاء العجائز وذكر الفقراء.
تلك القباب ما زالت تُذكّرنا بأننا شعبٌ يحنّ إلى القداسة، لأن السلطة في بلادنا لم تُقدّس الإنسان بعد.
الزوايا ليست كلها خرافة، ولا كلها نور.
فيها من حمل رسالةً صادقة، وفيها من باع الأمل.
لكنها تبقى مرآة المجتمع التونسي في أصدق حالاته: بين الإيمان والخيبة، بين الثورة والتسليم.
حين تتقاطع العمامة مع التاج
الزوايا في تونس ليست مجرد تراثٍ معماري أو فولكلور روحي. إنها سجلٌّ عميق لعلاقةٍ معقّدة بين الدين والسياسة، بين السلطة والروح، بين من يملك الجسد ومن يملك الوجدان.
لقد استخدمها الحفصيون لتثبيت سلطانهم، والحسينيون لإدارة توازنهم، والفرنسيون لامتصاص غضب الشعب، والدولة الحديثة لتجميل ذاكرتها.
لكن في النهاية، تبقى الزاوية حاضرة كرمزٍ للذاكرة، ومكانٍ للراحة، ومأوى للمقهورين.
تونس التي أنجبت قرطاج وحَنّبعل، لا تزال اليوم تسكنها أرواح الأولياء.
بلدٌ صغير في الجغرافيا، لكنه كبير في الغيب.
يبحث عن خلاصه، لا في البرلمان ولا في المصانع، بل في قُبةٍ خضراء تحتها قبر، فوقه ورد، وحوله ألف حكاية.
من الرباط إلى الزاوية: ولادة المؤسسة الروحية للدولة
2025-11-06
802 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن