مقالات عن: فكر إسلامي

اللغة شرطا للتفكير النقدي

2025-11-06 554 قراءة صابر النفزاوي
إذا كنّـا لا نقطف وردًا من ”الواو” و ”الراء” والدال” كما يقول جلال الدين الرومي بنزعتـه الصوفيّـة المتدفّقـة؛ فمِن أين نقطفـه إذن ؟!!!.. كيف يتشكّـل الوعي دون كلمات ؟!!..
الحقيقـة أنّ اللغة هي مـا يمنـح المعـاني وجودًا،، إذ لا وجود للوردة في وعينـا إلا حيـن نسمّيهـا ونصِفهـا ونتحدّث عنـهـا !..

بهذا المعنـى وعلى هذا المعنـى يشكِّـل ضعف التكويـن اللغـــــوي السبب الأوّل لانحسـار الوعي النقدي بالسياقات الاجتماعيّـة والسياسيّـة، ليس هناك تفكير جدلي مركَّب دون وســاطـة اللغــــة !..

نحن هنا لا نتحدّث عن اللغة العربيّـة تحديدًا وتخصيصًـا بل عن اللغة عمومـا، باعتبارها ”القالب” الذي يُقدَّم فيه ومن خلاله الفكـر اليوم سواء أكانت العربية أو الإنليزية أو الفرنسيّة أو الإسبانية،، فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل هي أيضا وخاصّةً علمًـا من علوم اللة التي دونها لن يكون بمقدورنا اقتحام حصون المعرفة الإنسانية وتنظيم أفكارنا والتعبير عنها أو حتى التفكير بها !..

إنّ إنتاج الفكرة لا يحدث في فـرااااغ بل يحتاج إلى الألفاظ والتراكيب اللغوية لتشكيل المفاهيم وتوجيهها نحو هذه القضيّة أو تلك،، فتلميذ الباكالوريا أو الطالب الذي يعجز عن صياغة جملة سليمة لا يمكنه (في المستقبل) إبداء أي ”عصيان معرفي” لفقدانه الشرط الأوّل من شروط الرّفض المنظَّم وهو امتلاك ”لغـة(ما)” يمكن استخدامهـا بسلاسـة للتفكيـر والتعبيـر والتجـاوز !..

ومع ذلك لا يمكن اختـزال ضعف التفكير أو غياب النقديّـة في ضعف التأسيس اللغوي إذ إنّ امتـلاك قدرات خطابيّـة أو حتى التمكّـن من اللغة بكلّ جماليّـاتها وتقنيـاتها لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة ذهنيّـة تفكيكيّـة، فاللغة وإن كانت شرطًا أساسيًّـا للتفكير المنظّم إلاّ أنّها ليست المنتج النهـائي للوعـي،، فقد نجد خطبـاء مفوَّهيـن أو كتّابًـا متمكِّنيـن من أدواتهم اللغويّـة غير أنّهم يفتقرون إلى العمق الفكري أو الحسّ النقدي اللازم لفهم السيـاقات المعقّـدة أو إنتـاج أفكـار أصيلة ..

فاللغـة هنا أشبـه بالقلـم والوعي هو اليد التي تمسك به وتحرّكـه تحريكًا واعيًـا متدفّقًـا، فدون القدرة على التحليل والتركيب والفهم التاريخي والاجتماعي تصبح اللغة أداة خرساء جوفـاء، إذ إنّ الفكر مهما بلغت قوته النظريّـة بل حتى يمتلك قوّةً نظريّـة يحتاج إلى رافعـة لغويّـة تَسنده، لكن هذه الرافعـة وحدهـا لا تكفي لإنتـاج رؤى تغييريّـة أو بناء مشـاريع معرفيّـة !..

لكنّ هذه الثنـائيّة الجدليّـة بين اللغة والوعي تُلقي بظلالهـا على إشكاليّـة أعمـق تتعلّق بــالسلطة المعرفيّـة التي يُنتِجهـا الوسيط اللغوي ويُعيد إنتاجهـا في الوقت نفسـه،، فاللغة ليست حيـاديّـة أبـدًا؛ فهي تحمل في طيّـاتهـا تاريخَ ”الهيمنـات الثقافيّـة” وانحيازات الطبقـات المسيطـرة وترسيمـات الخطاب السـائد، وهو مـا يجعلهـا أحيانـا سـجـنـًـا للفكـر إذا لم يُرافَـق إتقانُهـا بوعـي نقديّ يُفكّك شفراتهـا الخفيّـة ويُحرّر المضـامين من قيود التلقيـن،، فالشـابّ الذي يُتقنُ صيـاغـةَ الجملة السليمة قواعديّـا قد يظلُّ أسيـر النسق اللغوي المهيمن، عـاجزًا على مسـاءلة المُسلَّمـات المُتجذِّرة في بنيـة الخطاب الذي ورثه دون تمحيص، وهو ما عبّر عنه فوكو بفكرة ”موقع الذات في الخطاب” أو ”التموضع داخل الخطاب’’ أي أنّ المتكلّم لا ينطق من خارج اللغة بل من داخلها ومن الموضع الذي ترسمه له أنساق السلطة والمعرفة، حيث يتحدّد ما يمكن قوله وكيف يمكن أن يُقـال ..

هنا تبـرز ضرورة الربط بين التمكُّن اللغـويّ والتمرّس البحثـي؛ فالأوّل يمنحـك أدوات التشكيـل والثـاني يهبك منهج التفكيـك، وكما أنَّ الجملة النحويّـة تحتـاج إلى فعل وفاعل ومفعول به أو مبتدأ وخبـر، فإنّ الفكرةَ النقديّـة تحتـاج إلى لغـة مُحكمـة وإلى عقل متشكِّك وإلى واقـع موضوعـي يتجسّدان بمنـاسبته ومن خلاله، فـالثورة الفكريّـة لا تولدد من رحم الكلمات الجوفـاء بل تنبجس من اصطدام البنى اللغويّـة المتينـة بـالواقع المعـيـش بكلِّ تناقضـاتـه وتعقيداتـه ..

وهنـا يبدو من الضروري الاستعـانة بنظريّـات ”التربيـة النقديّـة” على غرار مقـاربة ”#پـاولو_فريــري” الذي يرى أن التعليم اللغوي التقليدي ينتـج ”الوعـي المبرمج” بينمـا الطريـق إلى "الوعي المتحرر" هو ”التعليـم النقدي”, فالأول يكرّس التلقّـي السلبـي للمفـاهيم الجـاهزة في حين أنّ الثاني يجعل من اللغـة أداة للتحليـل والتغييـر ..

ولمّـا كـان ذلك كذلك ..
تتأكّـد أهميّـة التعليـم النقديّ للغـة؛ إذ إنّ تعليم النحو دون تشريح الخطـاب أو تدريس البلاغـة دون كشف آليّـات الإقنـاع أو الإيهـام الخفيّـة، هو إنتـاج لـمُستخدمين بـارعين للكلمـات الصـاخبـة، لا لـمبدعيـن قـادرين على اختـراق حدودهـا،، وهو ما يعنـي أنّ التحدّي الحقيقـيّ هو تفجيـر طاقـة اللغـة الثوريّـة الكامنـة التي تُحوِّلُ الحروف إلى أدوات حفـر وتنقيب في المنظومـات الفكريّـة المُتحجّـرة،، فـالوعـي النقـدي ليس لهوًا معرفيّا أو ترفًـا فكريّـا، إنّـه -قولاً واحدًا- مقـاومـة يوميّـة للاستلاب اللغـويّ الذي يكرّس الارتهـان النفسي والتبعيّـة الفكريّـة ويعطّـل إنتـاج المعنـى الحـرّ !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق