في أقصى الغرب، على ضفاف الزمن البارد،
تعيش مجموعة من الدول التي تُسمّى "ممالك التاج".
خمسة عشر كيانًا مستقلًا، تمتد من لندن إلى كندا، ومن أستراليا إلى جزر الكاريبي.
دول لها أعلامها، ودساتيرها، وبرلماناتها المنتخبة،
لكنها تتشارك شيئًا واحدًا: ملكًا واحدًا يجلس في قصر باكنغهام.
إنه الملك تشارلز الثالث، الرجل الذي يحمل التاج ولا يملك السلطة.
ملك على خمس عشرة دولة،
لكنه لا يوقّع قانونًا إلا بعد أن يكتبه البرلمان،
ولا يعين وزيرًا إلا بعد أن يختاره الشعب.
يمثل رأس الدولة، لكنه ليس الرأس الذي يُفكر،
بل رمزٌ لوحدة تاريخية تُذكّر الشعوب بأن القوة ليست في العرش،
بل في العقد الذي يربط الناس بالقانون.
هكذا نشأت ممالك التاج:
منظومة من الدول التي ورثت التاج البريطاني، لكنها تحررت من حكمه.
كندا، أستراليا، نيوزيلندا، جامايكا، بليز، جزر الباهاما...
كلها دول مستقلة تمامًا،
لكنها ارتضت أن يبقى الملك رمزًا للشرعية والاستمرار،
كما تبقى المئذنة في القرية القديمة لا تصدر الأذان بعد الآن، لكنها تمنح المكان شكله وهويته.
هذا النوع من الملكيات ليس فيه حاكم مطلق ولا زعيم مقدّس،
بل ملكٌ يمثل التاريخ من دون أن يتدخل في الحاضر.
يوقّع باسم الشعب، لا باسم نفسه.
يعيش في القصر، لكن القصر من ميزانية الدولة، والدولة من إرادة الشعب.
ولذلك، عندما نتأمل في هذا النموذج،
يبدو كأنه معجزة من النوع الذي لا يُمكن للعقل العربي تصديقه:
ملك بلا سلطة، وشعب بلا خوف.
أما عندنا، في الجهة الأخرى من العالم،
فالخريطة مختلفة، والأسماء مضللة.
نحن نعيش في جمهوريات لا تختلف كثيرًا عن الملكيات المطلقة،
وفي ملكيات لا تختلف عن الإمبراطوريات القديمة.
نُسمّي الحاكم “رئيسًا” لكنه يحكم مدى الحياة،
ونسمي الحاشية “مجلس وزراء” لكنها في الواقع مجلس مبايعين.
في ممالك التاج، الملك يرمز إلى الدولة.
وفي بلادنا، الدولة ترمز إلى الحاكم.
هناك، الشعب يملك ولا يحكم مباشرة،
وهنا، الحاكم يحكم ويملك، ولا يُسأل عن شيء.
الملك في كندا لا يستطيع أن يرفض قانونًا أقرّه البرلمان،
أما في بعض جمهورياتنا، فإن البرلمان لا يستطيع أن يُقرّ حتى ميزانية دون “توجيه سامٍ”.
من المفارقات أن الملكية البريطانية تحولت إلى ديمقراطية،
بينما الجمهوريات العربية تحولت إلى وراثة.
في لندن، يولد الملك بمرسوم الطبيعة.
وفي عواصمنا، يولد الزعيم بمرسوم الضرورة، ويبقى حتى يرثه ابنه أو صهره أو جنراله.
الفرق بيننا وبينهم أن التاريخ هناك تحول إلى مؤسسة،
بينما عندنا المؤسسة تحولت إلى تاريخ.
هم فهموا أن الرمز يكفي ليحفظ الدولة،
ونحن لم نفهم بعد أن السلطة المطلقة تُفنيها.
تشارلز الثالث لا يعرف أسماء وزرائه في كندا أو أستراليا،
لكن رؤساءنا يعرفون أسماء كل المحافظين، ورؤساء الجامعات، ومديري الأخبار.
الملك هناك يتلقى التقارير احترامًا،
والزعيم هنا يتلقى الولاءات خوفًا.
حتى المال عندهم رمزي.
الملك لا يملك خزائن الدولة،
بل يعيش من دخل أراضٍ ليست له، وتُدار باسم الشعب.
بينما عندنا، الدولة كلها قد تُدار كما لو كانت مزرعة عائلية تُورّث من الأب إلى الابن.
في ممالك التاج، الملك هو من يتنازل عن سلطته كي يحكم الشعب نفسه بنفسه.
وفي بلداننا، الشعب هو من يتنازل عن حقه كي يحكمه الحاكم وحده.
لقد قلبوا المعادلة القديمة:
جعلوا من الملكية إطارًا للديمقراطية،
ونحن جعلنا من الديمقراطية غطاءً للملكية السياسية.
إنهم يعلّموننا درسًا في التواضع السياسي:
أن المجد لا يُحفظ بالقوة، بل بالمؤسسات.
وأن التاج لا يعني شيئًا إذا لم يُصنع من القانون لا من الذهب.
ربما لذلك، لم تعد الشعوب هناك تخاف من حكامها،
بل تحترمهم كما يحترم الطالب معلمه.
أما نحن، فما زلنا نعيش في فصولٍ يُدرّس فيها الخوف على أنه “احترام”،
ويُقدّم الولاء على أنه “واجب وطني”.
في النهاية، الفرق ليس في شكل النظام، بل في وعي الناس به.
هم آمنوا أن السلطة يجب أن تُحَد،
ونحن ما زلنا نؤمن أنها يجب أن تُخلّد.
هكذا صار ملكهم رمزًا بلا سلطة،
وصار حاكمنا سلطة بلا رمز.
ولعل تلك هي أعظم مفارقة في تاريخ السياسة:
أن الحرية قد تجد بيتها في القصر،
بينما العبودية تسكن القصر الجمهوري المجاور.
ممالك بلا عروش... وجمهوريات تعبد الكرسي
2025-11-04
703 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن