لم تكن الخريطة يومًا مجرد وسيلة لمعرفة العالم، بل كانت منذ البداية وسيلة لإعادة صياغته. فالخريطة ليست انعكاسًا بريئًا للطبيعة، بل هي فعل سلطة، مثلها مثل القانون والنقود والحدود. ومنذ أن وضع جيراردوس ميركاتور خريطته عام 1569، لم يرسم الجغرافيا كما هي، بل كما أراد الغرب أن تُرى.
لقد ضخّم ميركاتور أوروبا فبدت ضخمة في الوعي كما هي على الورق، وصغّر إفريقيا وأمريكا الجنوبية لتبدوان هامشيتين. وما كان ذلك عبثًا رياضيًا، بل هندسة ذهنية: أن يُرسم الشمال في الأعلى، والجنوب في الأسفل، أن يكون "الأبيض" مركزًا، و"الملوَّن" هامشًا. الخريطة كانت منذ البداية ترجمة مرئية للتراتبية الحضارية التي أرادها الغرب.
تونس مثال صغير لكنه بالغ الدلالة. على الخرائط التي تربينا عليها في مدارسنا، بدت تونس كخط رفيع بين البحر والصحراء، وكأنها هامش بين عالمين. في الواقع، تمتد تونس على أكثر من 164 ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من البرتغال وأربع مرات من هولندا. تقع في قلب المتوسط، على تقاطع القارات الثلاث، وشواطئها كانت يومًا مرافئ للفينيقيين والرومان والعرب. إنها عقدة الممرّات بين الشمال والجنوب، بين المتوسط وإفريقيا. ومع ذلك، على الورق، تُختزل إلى ظلٍّ صغير في أسفل الخريطة. هكذا يبدأ التهميش: من الصورة قبل السياسة.
في الخريطة كما في الاقتصاد، من يُرسم صغيرًا يُعامل صغيرًا.
من الجغرافيا إلى الجيواقتصاد
في القرن التاسع عشر، عندما بدأت القوى الأوروبية ترسم حدود العالم، لم تكن ترسم التضاريس بل المصالح. الجغرافيا صارت أداة للهيمنة، والأرض تحوّلت إلى مخزون موارد. قُسّمت الكواكب البشرية إلى مناطق للإنتاج ومناطق للاستهلاك، إلى مصدر خام ومركز تصنيع. ومنذ ذلك الحين، صار الجنوب ينتج المواد الأولية ويبيعها رخيصة، بينما الشمال يصنع منها السلع ويبيعها مضاعفة السعر.
إنها المعادلة التي حكمت الاقتصاد العالمي حتى اليوم. فالكاكاو الذي يُنتج في ساحل العاج وغانا، يُصنَّع في سويسرا وبلجيكا، حيث لا تنبت شجرة كاكاو واحدة. النفط الذي يُستخرج من نيجيريا والعراق يُسعَّر في لندن، والفسفاط الذي تخرجه تونس والمغرب يُحدد ثمنه في باريس، والنحاس من تشيلي يُسعّر في نيويورك. الموارد هنا، ولكن القيمة هناك.
لقد أبدع الغرب في تحويل الجغرافيا إلى منظومة مالية. فالموقع لم يعد يحدد النفوذ فحسب، بل صار يحدد الوظيفة الاقتصادية لكل دولة. من هنا نشأ مفهوم "العالم الثالث" و"الدول النامية"، ليس كوصف تنموي بل كتصنيف استعماري جديد.
"الدول النامية"… مصطلح بُني ليُبقيك ناميًا
مصطلح "الدول النامية" وُلد في أروقة المؤسسات الغربية منتصف القرن العشرين. كان الهدف ظاهريًا تمييز البلدان السائرة في طريق التطور، لكنه في العمق كان تثبيت هرمية جديدة للعالم. فـ"النامي" ليس من ينمو فعلًا، بل من يُسمح له بالنمو داخل الحدود التي يحددها "المتقدم". النعت نفسه يحمل التبعية: أنت في طور، ونحن في القمة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنظمات المالية الكبرى صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية تُدير النمو كما يُدار القرض: بشروط، وبمقاييس لا تخدم إلا المركز. مكاتبها في واشنطن وباريس وجنيف، وموظفوها في بعثات إلى الجنوب لتطبيق برامج "إصلاح" اقتصادية، تصحّح الموازنات ولكنها تكسر الأعمدة الاجتماعية.
إنها الهيمنة التي انتقلت من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال المالي. فالغزو اليوم يتم بالقروض، لا بالأساطيل.
وكالات التصنيف: الكهنة الجدد
في قلب النظام المالي تقف ثلاث مؤسسات أمريكية: ستاندرد آند بورز، موديز، وفيتش. هذه الشركات الخاصة، التي لا تملك أي شرعية دولية، تقرر كل يوم مصير اقتصادات بأكملها. تخفّض تصنيف دولة، فترتفع عليها كلفة القروض، وتنهار عملتها. ترفع تصنيف أخرى، فيتدفق إليها الاستثمار.
هي سلطة غير مرئية لكنها مطلقة. واللافت أنها منحت أعلى درجات الثقة للبنوك الأمريكية قبل أزمة 2008، ثم انهارت تلك البنوك بعد أشهر. لكنها ما زالت تحكم العالم بتقاريرها.
هكذا تحول "التصنيف الائتماني" إلى خريطة مالية جديدة: أوروبا وأمريكا في المركز بدرجة AAA، والجنوب في الأطراف بدرجات مضطربة بين BB وCCC. الخريطة نفسها، لكن هذه المرة بالأسهم والأرقام بدل الألوان والحدود.
ظلم التصنيف... وانحياز المعايير
حين نصف الدول بالمتقدمة والنامية، نكرر ظلمًا تاريخيًا مغلفًا بلغة اقتصادية. فالمعيار الذي يُقاس به "التقدم" لم يُحدده العلم بل المركز السياسي. النمو يُقاس بالدخل الفردي لا بالثروة الطبيعية، وبالقدرة الاستهلاكية لا بالإنتاج الحقيقي.
لكن الواقع اليوم يكذّب التصنيف. فدولٌ كانت "نامية" أصبحت قوى صناعية صاعدة الصين، الهند، البرازيل، إندونيسيا بينما دول أوروبية "متقدمة" تعيش على الديون وتتراجع صناعيًا، كإيطاليا واليونان وإسبانيا. ومع ذلك، لم يُغيَّر التصنيف لأن النظام لا يقيس التغير الحقيقي بل يحافظ على الصورة التي تضمن استمرار المركزية.
موارد الجنوب... وثروة الشمال
إفريقيا مثال صارخ: تنتج 70% من الكاكاو في العالم، لكنها لا تجني أكثر من 2% من أرباح صناعة الشوكولاتة. الكونغو تمتلك أكبر احتياطي من الكوبالت والليثيوم معادن المستقبل في صناعة السيارات الكهربائية لكنها لا تصنع بطارية واحدة. نيجيريا من كبار منتجي النفط، لكنها تستورد البنزين.
تونس والمغرب يملكان مناجم فسفاط هي من بين الأغنى في العالم، ومع ذلك لا يقرران سعر السوق العالمي. في كل هذه الحالات، يُنتج الجنوب المادة الخام، بينما يحتكر الشمال المعرفة والسعر والتمويل.
إنه نظام صُمم بحيث تبقى القيمة النهائية خارج المكان الذي تبدأ فيه الثروة. إنها الجغرافيا وقد تحولت إلى هندسة مالية.
الخرائط المالية... استمرار الخرائط الاستعمارية
حين كانت أوروبا ترسل بعثاتها الجغرافية إلى إفريقيا وآسيا، كانت ترسم الخرائط تمهيدًا للاحتلال. واليوم، ترسل بعثاتها الاقتصادية تحت عنوان "الإصلاح" و"التمويل"، لترسم خرائط مالية جديدة تحدد اتجاهات القروض والتجارة والاستثمار.
لم يتغير شيء سوى اللغة. الأمس كانوا يسمّونها مستعمرات، واليوم يسمّونها "أسواقًا ناشئة". في الجوهر، المعنى واحد: مكانٌ يُستخرج منه ما يحتاجه المركز.
سقوط المركز وصعود الهامش
لكن التاريخ بدأ يستدير. المراكز القديمة تعاني الشيخوخة والتضخم والديون، بينما الجنوب الصاعد بشبابه وموارده وسوقه الواسعة بدأ يستعيد موقعه الطبيعي. الصين أصبحت أكبر مصنع في العالم، والهند من أسرع الاقتصادات نموًا، وإفريقيا بدأت تُعيد تعريف دورها في النظام التجاري العالمي.
حتى الدولار، الذي كان رمزًا للهيمنة، بدأ يفقد احتكاره في التسعير الدولي. كثير من الدول باتت تتبادل بالعملات المحلية، وتُفكر في نظام مالي موازٍ. إنها لحظة تحوّل تشبه تصحيح محور الأرض بعد ميل طويل.
الجغرافيا ليست قدرًا
ما من خريطة بريئة، وما من اقتصاد محايد. كل خريطة تُرسم تخدم إرادة ما، وكل تصنيف يُنشر يخدم سلطة ما. العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس نتيجة الطبيعة، بل نتيجة الأقلام التي رسمته.
الخريطة التي كذبت جعلت الشمال في الأعلى، والجنوب في الأسفل. لكنها لم تستطع أن تغيّر قوانين التاريخ. فالأرض تدور، والمصالح تتبدل، ومَن كان هامشًا قد يصبح مركزًا حين يُمسك بالقلم.
التحرر لا يبدأ من السياسة بل من الإدراك، من الوعي بأن الجغرافيا ليست قدرًا بل أداة. ومن يعيد رسم خريطته الفكرية والاقتصادية، يكتب مصيره من جديد.
خريطة ...جيراردوس ميركاتور
2025-11-04
675 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن