مقالات عن: تونس التاريخية

علي بن غذاهم

2025-11-03 841 قراءة عماد عيساوي
في بلدٍ أرهقته الأقنعة وتبدّلت فيه الوجوه أكثر من تبدّل الفصول، خرج من رماد الفقر رجلٌ لا يشبه زمنه، ولا يطلب رضاه. خرج من قعر الجبال الجائعة، من رمال لا تعرف التزلّف، ولا تصنع الخضوع. اسمه علي. ولقبه بن غذاهم. والباقي كتبه التاريخ على جبهة وطنٍ باع صوته في المزاد، واحتفظ بصدى التمرّد كوصيّةٍ يتيمة.

من قفار ماجر إلى عرش الغضب

ولد علي بن غذاهم سنة 1814 في أرضٍ تلد الرجال كما تلد الشوك. هناك حيث القبيلة وطنٌ، والماء معجزة، والنخلة شاهدة على العطش. لم يتعلّم الثورة من الكتب، بل من الجوع. كان فقيهاً بالقدر الذي يكفي ليقرأ ظلم الدولة بعيون السماء. لم يكن شيخاً في جامع، بل كان جامعاً بشرياً للغضب. لم يكن قائداً، بل صدى قبيلة بأكملها ترفض الركوع.

كان زمن البايات زمن مماليك لا يعرفون الوطن، يبيعون البلاد في سوق المرابين الأوروبيين، ويشترون بها مجداً مزيّفاً. كانت تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جسداً مثقوباً بالديون، وروحاً مصلوبة على باب "المجبى". وحين قررت السلطة رفع الضريبة إلى 72 ريالاً، لم ترتفع فقط قيمة الجباية، بل ارتفع صوت الكرامة المهدورة.

علي: حين صار الفلاح ملكاً

تحرّكت القبائل كما تتحرك النار في هشيم الغدر. ماجر، أولاد مساهل، عرب الفرشيش... كلهم خرجوا من صمتهم، وسمّوا غضبهم باسمه: علي. في بلادٍ لا تعرف إلا بايات القصور، ولد "باي الشعب". لم يكن يملك تاجاً ولا جيشاً، لكن كان له ما هو أخطر: الشرعية التي تأتي من الجوع.

ثورة بن غذاهم لم تكن منشوراً سياسياً ولا مؤامرة أجنبية، بل كانت تمريناً على الكرامة. ثار لأن الفقر أصبح عبودية، ولأن الدولة صارت غولاً ينهش أبناءها لتسدّ ديونها في باريس. دخل القيروان لا كغازٍ، بل كمرآةٍ للغضب الشعبي، كظلّ الفلاحين الذين ماتوا وهم يحلمون بالعدالة.

الصادق باي… تمثال في قصر باردو

في باردو، كان الصادق باي يحصي قروضه قبل أن يحصي دماء شعبه. كان يظن أن الثورة يمكن إخمادها بالحبر، فكتب مواثيق كاذبة ووعوداً فارغة. فاوض علي، ثم خان. استدعى القناصل والجنرالات، فأرسلوا جزارهم زروق ليغسل العار بالدم.

لكن الخيانة كانت أطول من سيوفهم. لجأ علي إلى الجزائر، وهناك اصطادته فرنسا التي فهمت أن أخطر الثورات هي تلك التي لا تملك سفيراً ولا بياناً. سلّمته للباي كما تُقدَّم الهدايا المسمومة. مات علي بن غذاهم بصمتٍ يشبه السمّ. لم يشنقوه، لأنهم خافوا من صوته حتى وهو يحتضر.

المذبحة الكبرى

ما تلا سقوط الثورة لم يكن "إصلاحاً" بل انتقاماً. عاث زروق في البلاد نهباً وتعذيباً، جرّ النساء من خيامهن، وأحرق القرى، وصادر الأراضي كما لو كانت غنيمة حرب. سُمّيت تلك الأيام "العشرية السوداء" قبل أن تعرف تونس العشرية السوداء الحديثة. كانت الدولة تنتقم من فكرة العدالة، لا من رجلٍ واحد.

علي الذي لم يمت

لم يُدفن بن غذاهم، بل تفرّق رماده في الريح، ليتسلّل إلى ذاكرة كل جائعٍ وكل مهانٍ في هذا الوطن. اليوم، كلما عاد السؤال: من يحكم تونس؟ ينهض علي من رماده ويجيب: نفس الوجوه... تغيّر الزي فقط. كانوا يحملون السيوف، واليوم يحملون العقود. كانوا يجمعون الضرائب، واليوم يجمعون الفوائد.

علي بن غذاهم لم يكن ثائراً فقط، بل كان ميزاناً أخلاقياً للوطن. في زمنٍ صارت فيه الدولة شركةً تُدار من مكاتب البنك الدولي، يصبح السؤال الذي طرحه علي أبديّاً: هل يمكن للفلاح أن يصرخ دون أن يوقع شيكاً للبنك؟

نحن اليوم نعيش على أنقاض معركةٍ لم تنتهِ. فقط استبدلنا الزنازين بالقروض، والسياط بالضرائب، والخوف بالبيروقراطية.

لكن الشعوب، مهما استُعبدت، تحفظ أسماء الذين قالوا "لا" كما تحفظ أسماء أنبيائها. علي بن غذاهم لم يُهزم، بل تغيّر شكله. صار رمزاً، صار صدىً في كل احتجاجٍ، في كل جدارٍ كتب عليه أحدهم: “لن ندفع ثمن فسادكم.”

علي بن غذاهم... باي الشعب في زمن الضباع.
الرجل الذي حاول أن يجعل من التراب وطناً، فحوّلوه إلى تراث.
لكنه ما زال هناك، في ذاكرة البلاد، ينتظر شعباً جديداً... لا يخاف أن يغضب

حين باع الشيوخ صمتهم واشترى البايُ الطاعة بالدم

في تلك السنوات التي تفحّمت فيها العدالة في تونس، لم تكن الثورة وحدها في الميدان. كانت البلاد تتشكّل من ثلاث طبقات متناقضة، لا يجمعها إلا الخوف: شعب مسحوق، ونخبة جبانة، ومشايخ متواطئون. ومن فوقهم، بايٌّ يرى نفسه ظلّ الله في الأرض، لكنه لم يكن سوى ظلّ الدائن الأوروبي.

الشعب: بين الخضوع والغضب

كان الشعب في منتصف القرن التاسع عشر ككتلةٍ من الطين الحيّ، يُعاد تشكيلها حسب يد السلطة. يعيش الفلاح على حافة الجوع، يزرع ليأكل غيره، ويعمل في أرضٍ لا يملكها. لم يكن الجوعُ هو العدو، بل الإهانة.
أبناء ماجر، وأولاد مساهل، والفرشيش، لم يعرفوا الفلسفة، لكنهم فهموا بفطرتهم أن الدولة التي تفرض عليك ضريبة لتعيش، لا تريد لك الحياة.

كانوا يعرفون الباي كما يُعرف الحاكم في القصص: بعيداً، جالساً خلف الحُجّاب، تحيطه بطانة من العبيد الذين يتكلمون بلغة لا تشبه لغة الشعب. حين وصل صوت بن غذاهم إلى الريف، لم يسمعوه كخطيبٍ أو زعيم، بل كأحدهم. قال لهم: "المجبى ليس قدراً، بل إذلال."
ففهموا. ورفعوا رؤوسهم لأول مرة.

النخبة: خدمُ القصر بثياب المثقفين

في العاصمة، كانت النخبة تنظر إلى الثورة كما ينظر القصر إلى الريف: من خلف الستائر. المثقفون، والقضاة، و"المتعلمون" من خريجي الزيتونة وبعض من تخرّجوا من مدارس القناصل، لم يروا في ثورة بن غذاهم سوى "تمرّد غوغاء".
كتب بعضهم للباي أن “الفلاح لا يعرف معنى السياسة”، وأن “الإصلاح لا يأتي من الجبال بل من القصور”.

كانوا، في الحقيقة، طبقة من المترجمين بين المستعمرين والسلطة، لا بين الشعب والعدالة. قرأوا كتب التنوير الفرنسي، لكنهم نسوا أن الحرية لا تُستورد بالترجمة، بل تُنتزع بالدم.
وهكذا، حين اشتعلت البلاد، اكتفوا بالتنظير. وعندما قُمعت الثورة، كتبوا تقارير يشكرون فيها “حكمة الباي في إخماد الفتنة”.

كانت تلك النخبة هي الجسر الذي عبرت عليه فرنسا نحو البلاد بعد عشرين عاماً فقط.

مشايخ الزيتونة: فقهاء السلطان

أما المشايخ، فكانوا أعقدَ مكوّن في المشهد. في زمن كان فيه الجامع منارةً للفتوى والكرامة، تحوّل بعضهم إلى أبواقٍ للقصر.
أصدروا فتاوى تبرّر الطاعة العمياء: "من شقّ عصا الطاعة، فقد خرج عن الجماعة."
لكنهم لم يسألوا: من شقّ عصا العدالة أولاً؟
الزيتونة يومها كانت مقسومة بين من رأى في الثورة خيانةً للدولة، ومن رآها صرخةً للحق.
القلة الصادقة صمتت خوفاً من السياط، والأكثرية أفتت بما يرضي المماليك.
فصارت الفتوى سلاحاً في يد السلطة، تُغلف به الخيانة بغلافٍ شرعي.
في المساجد، كانوا يدعون للباي بالنصر، فيما كانت جثث الفلاحين تُرمى على أبواب القيروان.
لم يكن الدين حينها صوت الله، بل أداة الخضوع.

الباي: حين يُصبح الملك رهينة وزرائه

الصادق باي لم يكن وحشاً بالفطرة، بل ضحية منظومةٍ صنعتها قرون من المماليك والعجز. كان يعرف أن خزائنه مفلسة، وأن قصر باردو لا يملك غير الذهب المؤجل بالدين.
حين سمع بثورة بن غذاهم، تردّد. بينه وبين نفسه، ربما أدرك أن الفلاح محق. لكن حوله، كان مجلس الغدر يتكوّن: وزير المال مصطفى خزندار، ورئيس الديوان، والمرابون الأوروبيون الذين أمسكوا برقبة الدولة كما يمسك الجزار بعنق العجل.

قال له خزندار:
"يا سيدي، إن الثورة إن انتصرت، ذهبت الدولة، وإن قُمعت، بقي العرش."
فاختار العرش.

أرسل الوفود إلى علي بن غذاهم، تارة بالوعد، وتارة بالتهديد. كتب له رسائل فيها من الكذب أكثر مما فيها من الحبر.
وحين فشل التفاوض، كتب إلى الفرنسيين يطلب "مساعدة تقنية" لإخماد الفتنة.
وهكذا، دُفنت الثورة مرتين: مرة في الرمال، ومرة في المراسلات الدبلوماسية.

تونس... الدولة التي تخاف من أبنائها

كان ما حدث بعد 1864 درساً بليغاً في بنية تونس العميقة: دولةٌ فوقيةٌ تخاف من شعبها، وشعبٌ منسيٌّ يخاف من سلطته، ونخبةٌ تبرّر القمع باسم الإصلاح.
ذلك الانفصام لم ينتهِ.
منذ بن غذاهم، حتى يومنا هذا، ظلّ الحاكم هو القصر، وظلّ الشعب هو الهامش، وظلت النخبة تتحدث عن الإصلاح وهي تكتب التقارير للغزاة الجدد.

ما بعد الثورة

بعد إخماد التمرّد، أعاد الباي بناء سلطته على ثلاث ركائز:
الفتوى: ليُعاقب باسم الدين.
الضرائب: ليُنهك باسم الوطن.
القروض: ليُرهن باسم الإصلاح.

ولأن علي بن غذاهم كسر تلك المعادلة، كان لا بد أن يُمحى اسمه من كتب الدولة.
لكن التاريخ لا ينسى من قال “لا” حين كان الجميع يركع.

اليوم، بعد قرن ونصف، لا يزال السؤال نفسه قائماً:
هل تغيّرت تونس، أم فقط تغيّر الملبس؟
هل النخبة المثقفة اليوم أصدق من نخبة باردو؟
هل الأئمة اليوم أجرأ من فقهاء الزيتونة يومها؟
وهل الباي الجديد أقل خوفاً من علي بن غذاهم؟

ربما مات علي، لكن تونس ما زالت تعيش تحت المجبى فقط أصبح اسمه الآن "الضرائب" و"الديون الخارجية".
وفي زمنٍ آخر، سيخرج علي جديد من رماد المدن، ليذكّرنا أن الثورة ليست حدثاً تاريخياً... بل فطرة بشرية ترفض الذلّ.

من ثورة المجبى إلى ثورة الخبز... ومن باي باردو إلى بايات الديمقراطية.
تونس… تلك البلاد التي كلّما حاولت أن تنهض، عثرت على نفسها في الحفرة ذاتها.
من 1864 إلى 2011، لم يتغيّر المشهد، فقط تغيّرت الأدوات.
كانت الضرائب تُفرض بالسوط، فأصبحت تُفرض بالقانون.
كانت فرنسا تُرسل البوارج إلى حلق الوادي، فأصبحت تُرسل بعثات الصندوق الدولي.
وكان الباي يحكم بعصا الذهب، فأصبح الحاكم المنتخب يحكم بخيوط الديون.

من علي بن غذاهم إلى البوعزيزي: نفس النار... فقط تغيّر اسم الشرارة
حين أضرم البوعزيزي النار في جسده، كان علي بن غذاهم يبتسم في قبره.
لم يكن الفعل مختلفاً: كلاهما ثار لأن الكرامة أصبحت سلعة، ولأن الدولة قررت أن المواطن لا يُرى إلا عندما يدفع.
بين 1864 و2011، ظلّ التونسي يُعاقَب على فقره.
الفرق الوحيد أن المجبى صار يُخصم آلياً من الحساب البنكي، وأن الباي صار يُنتخب.
بن غذاهم قال للسلطة: “كفى نهباً.”
البوعزيزي قال: “كفى إذلالاً.”
لكن النظام الذي قتل الأول بالسم، قتل الثاني بالبيروقراطية.

النخبة الجديدة: من عبيد القصر إلى عبيد الشاشة
في زمن بن غذاهم، كانت النخبة تكتب للباي.
وفي زمننا، تكتب للنظام المالي العالمي.
اللغة تغيّرت، لكن المضمون واحد: تبرير الواقع، وتجميل الاستسلام.
اليوم، لا نملك مثقفين ثائرين، بل مروّجين للتطبيع مع العجز.
يتحدثون عن “الإصلاح الهيكلي” كما كان أسلافهم يتحدثون عن “حفظ النظام”.
الذين برّروا القمع بالأمس بالفتوى، يبررونه اليوم بالتقارير الاقتصادية.
الزيتونة فقدت منبرها، والإعلام أخذ مكانه، فصار الخطيب مذيعاً، والفتوى صارت تحليلاً سياسياً.
والمعنى واحد: أخضع، ولا ترفع صوتك.

الشعب: من الجوع إلى اللا مبالاة
الفرق بين فلاح بن غذاهم ومواطن اليوم ليس في القوة، بل في المعنى.
فلاح القرن التاسع عشر ثار لأنه شعر أن الدولة سرقت رزقه.
أما المواطن اليوم، فصمت لأن الدولة سرقت إيمانه.
الفقر اليوم أكثر أناقة، والخوف أكثر ذكاءً.
لم يعد الجندي يطرق الباب لجمع الضرائب، بل البنك يرسل إشعاراً إلكترونياً.
لم يعد الحاكم يستعين بالمماليك، بل بالخبراء والمستشارين الأجانب.
الشعب الذي كان يحمل البنادق، صار يحمل الهواتف.
يصرخ في “الفايسبوك”، لكنه يهمس في الشارع.
يتحدث عن الثورة كما يتحدث عن ذكرى قديمة، لا كقدرٍ ينتظره.

بايات الديمقراطية: وجوه تتبدل... والنظام واحد
حين أسقط التونسيون دكتاتورهم في 2011، ظنوا أن التاريخ انقلب.
لكن الحقيقة أن النظام فقط غيّر بدلته.
البرلمان صار القصر الجديد، والأحزاب صارت المماليك الجدد.
والناس عادت تدفع المجبى، لكن هذه المرة باسم “الإصلاح المالي” و“الاستقرار الاقتصادي”.
الصادق باي القديم كان يرسل خزندار إلى باريس ليستدين،
أما الحكّام الجدد فيذهبون إلى واشنطن، يطلبون القرض ذاته، بنفس المبررات، وبنفس الخضوع.
تغيّر العلم، تغيّر النشيد، لكن تونس لم تغيّر قدرها بعد.

المشهد الراهن: الدولة كجثة محنّطة
تونس اليوم دولة تتنفّس اصطناعياً.
لا تموت، ولا تحيا.
شعبها يهاجر بصمتٍ بحري، ونخبتها تتصارع على الميكروفونات، وساستها يوزّعون الفقر كما يوزّع الكهنة البركة.
كلهم يخافون من سؤال واحد:
ماذا لو عاد علي بن غذاهم؟
ماذا لو خرج من رماده، وسألهم:

"من باع تونس هذه المرة؟"

سيصمت الجميع، لأنهم يعرفون الجواب:
باعوها بالقروض، ورهنوها بالمؤتمرات، وقتلوها بالخطابات.

التاريخ كمرآة
تونس لم تتعلّم من تاريخها، لأنها تخاف النظر في وجهه.
حين تذكّرت علي بن غذاهم، لم تتعلّمه، بل حوّلته إلى نصبٍ رمزيٍّ، مثلما تُحوَّل الحقيقة إلى ديكور.
لكن التاريخ ليس متحفاً. إنه مرآة.
وكل مرة ينكسر فيها المرآة، تُصاب الأمة بالعمى المؤقت.

علي بن غذاهم لم يمت في القرن التاسع عشر.
هو يعيش في كل موظفٍ متمرّد على الفساد، في كل شابٍّ يرفض الذلّ، في كل عاملٍ يصرخ في وجه الجوع.
لكنه أيضاً يعيش في صمتنا، حين نخاف أن نغضب.
تونس اليوم لا تحتاج لثورة جديدة، بل لذاكرةٍ نظيفة.
أن تتذكّر من أين جاءت، وماذا دفعت ثمناً للاستقلال، ومتى بدأت تبيع نفسها قطعةً قطعة.
حين تعود تونس إلى سؤال علي الأول:

“لماذا أُذلّ في وطني؟”
حينها فقط، يمكن أن تبدأ الثورة الحقيقية لا في الشوارع، بل في الوعي.

تونس ليست دولة صغيرة، بل فكرة عظيمة حوصرت بصفقات صغيرة.
كل مرة نحسبها انتهت، تخرج من تحت الركام وتقول: أنا هنا.
لم تُخلق لتعيش في ظلّ الإمبراطوريات، ولا لتُحكم من الخارج،
بل لتذكّر العالم أن الحرية لا تُستورد، وأن الشعوب لا تموت بل تُنسى مؤقتاً.

علي بن غذاهم سيعود في كل زمنٍ تُهان فيه الكرامة،
وفي كل مرة يُصبح الصمت لغة الدولة.
سيعود لأن التاريخ لا يُمحى، بل ينتظر.

وحين يعود،
لن يطلب العرش،
بل سيطلب شيئاً أبسط وأقدس:
أن تكون تونس لأولادها... لا لباياتها.

الرسالة الأخيرة لعلي بن غذاهم

كما لو كتبها بدمه على جدار الزمن

يا تونس،
كنتُ فلاحاً يزرع القمح،
فحوّلتِني إلى ثائرٍ يزرع الذاكرة.
خرجتُ من بطن الجبال لا لأهدمك،
بل لأردّك إلى نفسك.
حلمتُ بدولةٍ تُطعم أبناءها من عرقهم،
لا من قروض الآخرين.
أردتُ أن أراكِ حرّةً كريح الصحراء،
صلبةً كحجر القيروان،
صافيةً كدمعة أمٍّ على ابنٍ قُتل من أجل الكرامة.

يا تونس،
أنا لم أمت في المنفى... بل سكنتُ في دمك.
كلما غضبتِ، أتنفّس.
كلما سكتِّ، أختنق.
كلما بعتِ أرضكِ، تُقلّصين صدري.
وكلما قلتِ “لا”، أعود طفلاً في حقولكِ الأولى.

لا تبحثي عني في كتب التاريخ،
فأنا في عرق الفلاح،
وفي يد العامل،
وفي فكر الطالب الذي يرفض أن يُخدَّر بشعار.
أنا في كل صرخةٍ ترفض القبح باسم الجمال،
وفي كل فمٍ يقول الحقيقة دون إذنٍ من أحد.

يا تونس،
أوصيكِ بشعبكِ.
لا تتركيهم ينسون أنهم كانوا يوماً ملوكاً بلا قصور،
وأنهم هم من علّموا التاريخ كيف يولد من التراب.

لا تخافي من الغضب،
فهو آخر أشكال الحياة.
خافي فقط من الصمت،
لأنه مقبرة الأمم.

وإن عاد الزمان فاسداً، عودي أنتِ نقية.
وإن خانتك النخبة، فلا تخوني نفسك.
وإن عاد الباي بثوبٍ جديد، فاعلمي أن العرش لا يُقدَّس... بل يُحاسَب.

أنا لم أطلب سلطة، بل أردتُ عدلاً.
لم أطلب قصراً، بل خبزاً نظيفاً للفقراء.
لم أطلب اسماً في الكتب، بل وطناً في القلوب.

فإن نسيتم اسمي، لا بأس،
المهمّ ألا تنسوا السؤال الذي متُّ من أجله:

"لماذا يُهانُ من يحبّ وطنه؟"

وإن عادت البلاد إلى الظلم،
فسأعود أنا أيضاً
لا كرجل، بل كريحٍ تهدم الأسوار،
وكصوتٍ يذكّركم أن تونس ليست أرضاً للعيش فقط...
بل عهدٌ يجب أن يُصان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق