مقالات عن: دستور 1861

دستور 1861

2025-11-03 990 قراءة عماد عيساوي
في تونس، تلك الأرض التي طالما عاشت بين مطرقة التوسّع الفرنسي وسندان الانهيار العثماني، حدث في سنة 1861 أمر لا يصدّقه التاريخ إلا على مضض: ميلاد أوّل دستور مكتوب في العالم العربي.
لكن يا للمفارقة! لم يكن دستورًا خرج من رحم الشعب، ولا كان ثمرة وعي جماعي أو حراك مدني ناضج، بل كان ابن الخوف، وحفيد الهلع من أوروبا. كان محاولة يائسة من حاكمٍ هشّ اسمه الصادق باي ليقول للغرب: "نحن مثلكم، لدينا قوانين، لسنا متوحشين."

لقد قرر أن يكتب دستورًا وهو يتأرجح فوق حبل الديون الأوروبية، ويفتح خزائن الدولة أمام المرابين، ويُغلق أذنيه عن صراخ الفلاحين الذين أكلهم الجوع، وعن وجوه الجنود الذين لم يعودوا يعرفون لمن يقاتلون. في زمنٍ كان فيه الباي مدينًا، والعلماء خائفين، والقناصل الأجانب يتصرفون كما لو كانت تونس مزرعة مشتركة للشمال الأوروبي.

في ذلك المناخ الذي يختلط فيه البارود برائحة القهوة التركية، ودموع الفقراء بعرق الوزراء، وُلد ما سُمّي بـ "عهد الأمان" سنة 1857، تمهيدًا للدستور. عهدٌ غريب، جريء، لكن أيضاً منافق. منح المساواة بين المسلمين واليهود والنصارى والعبيد المعتقين، لا باسم العدالة، بل باسم الخضوع للعيون الزرقاء القادمة من وراء البحر. كانت أوروبا تملي البنود، والعلماء يقرأونها بارتباك، والشعب لا يفهم إلا أنه سيُضرب أقل أو أكثر، لا فرق.

ثم، على أيدي خير الدين باشا ومحمود القبادو وأحمد بن أبي الضياف، خرج الدستور إلى الوجود سنة 1861. كان نصًّا جميلاً، مترفًا، مكتوبًا بلغة متقدمة، يكاد يُشبه حلمًا فرنسيًا في جسد شرقي. دستورٌ حدّ من سلطة الباي، وأنشأ مجلسًا أكبر، وفصل السلطات، وقال في وجه الطغيان جملةً لم يجرؤ أحد على قولها من قبل:
"إنّ الباي موظّف، لا سلطان مطلق."

لقد كان ذلك الدستور أشبه بانقلابٍ أبيض ضد الاستبداد، ثورة بالقلم لا بالسيف. فرح به المثقفون، هلّل له الأوروبيون، وخافه العلماء والوجهاء والجيش. فالأولون رأوا فيه تعدّياً على سلطان الشريعة، والآخرون رأوا فيه تهديدًا لامتيازاتهم، أما القناصل فصفّقوا لأنهم أدركوا أن دولة القوانين ستسقط أسرع من دولة العصا.

بدأ التنفيذ: جريدة رسمية، وزراء، مجلس، وعبارات عن "العدالة" و"الشفافية" تتردد في القصر. بدا وكأن تونس دخلت العصر الدستوري، لكن خلف الستار، بقي كل شيء كما كان.
الفلاح يبيع آخر سنبلة ليدفع الضرائب.
الوزير يركع للقنصل الفرنسي.
والعالم يخاف أن يُكفَّر لو تحدّث عن التجديد.
تونس كانت تلبس ثوبًا عصريًا فوق جسد مريض.

ثم انفجر الجسد.
ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 لم تكن ثورة سياسية، بل ثورة جياع ضد الضرائب المهينة. لكنها كانت ذريعة مثالية للصادق باي لتمزيق الدستور، وإعادة الحكم المطلق، ونفي كل أحلام الإصلاح.
لم يُلغَ الدستور رسميًا، بل دُفن حيًّا، في درج منسيّ في قصر بارد، بين أوراق العقود والديون، كأنّه وثيقة ارتكبت جريمة الوعي.

لم يسقط الدستور لأنه كان ضعيفًا، بل لأنه كان صادقًا. فضح أن البلاد لم تكن مستعدة للحرية، وأن النخبة كانت منافقة، وأن العلماء كانوا عبيد النصوص أكثر من عبيد الحقيقة، وأن القناصل أرادوا "دستورًا للزينة" لا للنهضة. لقد اغتيل الحلم باسم الواقعية، وخُنق باسم الحفاظ على الأمن، ودفن باسم التقاليد.

لكن، ككل فكرة عظيمة، لم يمت تمامًا.
ظلّ حيًّا في الذاكرة، كجرحٍ لم يلتئم.
وحين جاء عبد العزيز الثعالبي بعد نصف قرن، وأسس الحزب الحر الدستوري، لم يختر الاسم عبثًا. كان يُعلن أن التاريخ يعود من جديد، وأن دستور 1861 لم يكن عبثًا بل نبوءة.
ثم جاء بورقيبة، فكتب دستور 1959 لا تحت ظل القناصل بل تحت سماء الجمهورية، كأنه أراد أن يقول: "الآن فقط، صار للدستور أب وأم وشعب."
وبعد ثورة 2011، لم يعد السؤال: هل نحتاج دستورًا؟ بل صار: من سيكتبه؟ ولمن؟

تونس كتبت أول دستور عربي، لكنها قتلته بيدها. كتبت الحلم، وعاشت الكابوس. كتبت القانون، وعاشت الفوضى. كتبت الحرية، وعاشت العبودية.
ذلك لأن الدستور ليس نصًّا على الورق، بل وعيًا يسكن العقول والضمائر.
وتونس، في سنة 1861، كتبت دستورًا لأمة لم تولد بعد.

إنه التاريخ حين يسخر منا: نكتب القوانين ونحن عبيد، نرفع شعارات العدالة ونحن نأكل بعضنا جوعًا.
ربما كان دستور 1861 مرآة أكثر من كونه مشروعًا… مرآة أظهرت لنا وجوهنا كما هي:
شعبٌ خائف، نخبٌ متواطئة، وحكامٌ يكتبون القوانين ليكسبوا رضا المستعمر لا احترام التاريخ.

وهكذا، بقي الدستور الأول شاهدًا على جريمة الوعي في بلادٍ أرادت أن تدخل الحداثة من نافذة القصر لا من أبواب الشعب.
بعد 2011… تونس تكتب دستورًا جديدًا، ولكن بنفس الحبر القديم

بعد 2011، خرج الشعب يهتف: "الشعب يريد."
لكنّه لم يكن يعرف بالضبط ماذا يريد.
كأنّ التاريخ قرّر أن يعيد المشهد القديم في ثوب جديد. فالصادق باي تغيّر اسمه، لكن عقليته بقيت. والمصلحون تغيّروا، لكنهم ما زالوا يكتبون في الظلام ما يُملى عليهم من الخارج.

كتب التونسيون دستورًا جديدًا سنة 2014، بدموع الشهداء، وبأحلام الشباب الذين ظنوا أن الحرية تعني نهاية الفقر، وأن الديمقراطية ستنبت الخبز من صناديق الاقتراع.
لكن ما حدث هو أن الدستور عاد مرة أخرى وثيقة جميلة فوق وطنٍ متشقق.
نصٌّ مليء بالفصول، خالٍ من الفعل.
يتحدث عن الكرامة بينما البطالة تتوحش،
وعن العدالة بينما الفساد يضحك،
وعن السيادة بينما الاقتصاد مرهون للبنك الدولي، كما كان مرهونًا من قبل لقناصل أوروبا.

كأنّ تونس كتبت دستور 2014 بنفس الحبر الذي كُتب به دستور 1861: حبر الخوف من الخارج، وحبر العجز في الداخل.
مرة أخرى، كتبته النخب لتُرضي المجتمع الدولي أكثر مما تُرضي الشعب.
مرة أخرى، أُقيمت فيه دولة القوانين على أرضٍ لا تحترم القانون.
ومرة أخرى، تحوّل الحلم إلى صراع على الكراسي، والحرية إلى فوضى، والديمقراطية إلى سوقٍ للمزايدات.

ثم جاءت 2021، فعاد المشهد إلى أصله الأول:
السلطة تُركّز في يدٍ واحدة، والشعب يُصفّق باسم "الإنقاذ"، والدستور يُكتب من جديد، لا كعقدٍ اجتماعي بل كمرسومٍ فوقي.
وهكذا، كما حدث سنة 1864، استُخدمت الفوضى كذريعة، والفقر كأداة، والشعب كجدارٍ يُعلّق عليه كل فشل.

تونس بعد 2011 عاشت نفس المأساة القديمة بثياب جديدة.
لم يتغيّر سوى الإخراج، أما النص فهو نفسه:
نخبة تتصارع على الوهم، وشعب يُنهك في الانتظار، واقتصاد مرهون، ومؤسسات بلا روح.
كأن الدستور عندنا لا يُكتب ليُطبّق، بل ليُقدّم كقرابين أمام الكاميرات، ثم يُدفن بعد حين، مثل دستور 1861.

تونس اليوم، مثل تونس الأمس، تعيش على حافة المعنى.
كل دستور جديد هو مرآة للدستور القديم، وكل سقوط جديد هو صدى لثورة علي بن غذاهم التي لم تنتهِ بعد.
فالضرائب تغيّرت أسماؤها، لكنها بقيت نفس الجلد بالسياط.
والقناصل تغيّرت جنسياتهم، لكنهم ما زالوا يحكمون الموانئ والاقتصاد والقرار.
والشعب تغيّر جيله، لكنّه ما زال يبحث عن نفسه، عن حريته، عن لقمة كريمة، عن وطنٍ لا يكون فيه القانون زينة ولا الدستور خرافة.

هذه هي المأساة التونسية:
نكتب الدساتير قبل أن نصنع الشعوب.
نطالب بالحرية ونحن نخاف من الحقيقة.
نستورد النماذج ولا نصنع الوعي.

ربما لهذا، سيبقى دستور 1861، رغم موته، أكثر حياة من كل الدساتير التي تلته.
لأنه لم يكن نصًّا سياسيًا فحسب، بل اختبارًا أخلاقيًا فشلنا فيه مرتين: مرة في القرن التاسع عشر، ومرة بعد 2011.

فهل نتعلم في المرة الثالثة؟
أم نواصل كتابة الدساتير على ورقٍ أوروبي، ونعيش واقعًا إفريقيًا، نحلم بأمة ولا نصنع شعبًا؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق