الوعي الشعبي ليس مجرد تمثل نفسي أو انفعال جماعي، بل هو منظومة إدراكية اجتماعية تشكل القاعدة التي ينبني عليها الفعل السياسي وتعيد ترتيب علاقات القوة داخله. في السياق التونسي، عرف الوعي الشعبي خلال العقد الأخير تحولًا جوهريًا تمثل في انتقاله من موقع الاستجابة إلى موقع الإنتاج، أي من التفاعل مع الحدث السياسي إلى المساهمة في صياغة معناه وتحديد مساراته. هذا التحول جعل من تونس نموذجًا عربيًا فريدًا، حيث أصبح الشعب فاعلًا مستقلًا داخل المجال العمومي، قادرًا على إنتاج خطاب سياسي بديل خارج الأطر الحزبية والمؤسساتية.
لقد أبرزت التجربة التونسية منذ الثورة أنّ الوعي الشعبي يمتلك قدرة متزايدة على تفكيك الخطاب السلطوي وإعادة تأويل مفاهيم الشرعية والمشروعية. فالشرعية التي كانت ترتبط بالمؤسسة أو الزعامة باتت تُقاس اليوم بمدى توافق الفعل السياسي مع الوجدان الجمعي ومع مطلب العدالة الاجتماعية. إن انتقال مركز الثقل من النخبة إلى الشارع لم يكن مجرد حادث سياسي، بل تحوّل معرفي يعكس إعادة هيكلة الحقل السياسي انطلاقًا من القاعدة الاجتماعية.
هذا الوعي لم يولد من فراغ، بل هو نتيجة تراكم تاريخي وثقافي أنتج ما يمكن تسميته بالذاكرة السياسية الجماعية. فقد تحوّل الشارع التونسي إلى فضاء منتج للرموز والمفاهيم، مثل الكرامة الوطنية واستقلالية القرار، وهي مفاهيم أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومع تراجع الثقة في النخب السياسية والحزبية، ظهرت أشكال جديدة من المشروعية الرمزية تقوم على المشاركة الأفقية والوعي النقدي بدل الطاعة العمودية.
ساهم الفضاء الرقمي في توسيع المجال العمومي وفي تمكين المواطن من إنتاج الأفكار ومساءلة الخطاب السياسي. هذا الفضاء كسر احتكار النخبة للإنتاج الرمزي وسمح للشعب بأن يكون شريكًا فعليًا في تحديد أجندة النقاش العمومي. غير أنّ هذا الوعي ما زال هشًا من حيث التنظيم، إذ لم يتحول بعد إلى قوة مؤسسية قادرة على بلورة مشروع وطني متماسك. المشكلة لا تكمن في الوعي ذاته، بل في ضعف قدرته على التحول إلى بنية سياسية دائمة تتجاوز ردّ الفعل نحو المبادرة الاستراتيجية.
الصراع السياسي في تونس لم يعد قائمًا على الثنائيات الكلاسيكية بين اليمين واليسار أو بين المحافظين والحداثيين، بل أصبح صراعًا بين منظومتين معرفيتين. الأولى تستند إلى أدوات الدولة المركزية وإلى منطق الوصاية الفكرية، والثانية تقوم على وعي جمعي مفتوح يرفض احتكار السلطة والمعنى ويؤمن بالتداول الأفقي للمشروعية. ضمن هذا الإطار، لم يعد الوعي الشعبي مجرد انعكاس اجتماعي، بل أصبح فاعلًا سياسيًا مؤثرًا في صياغة المعادلة الوطنية.
تونس تعيش اليوم مرحلة ما بعد النخبة، حيث يُعاد تشكيل المجال السياسي على أساس الشرعية الاجتماعية والقدرة على التعبئة الشعبية، لا على أساس رأس المال الرمزي للنخبة التقليدية. بذلك يتحول الوعي الشعبي إلى عنصر حاسم في عملية إعادة بناء الدولة الوطنية، إذ يفرض على مؤسساتها إعادة التفكير في مفهوم التمثيل وفي طبيعة السلطة وفي أسس العدالة الاجتماعية.
في المحصلة، يمكن القول إن الوعي الشعبي في تونس أصبح اليوم بنية منتجة للفكر السياسي، قادرة على إنتاج خطاب نقدي يتجاوز الخطابات الرسمية. إنه وعي يراقب السلطة من الخارج ويخترقها من الداخل عبر المطالبة بالشفافية والمساءلة، ويعيد تعريف السياسة بوصفها خدمة عمومية لا امتيازًا سلطويًا. ومهما كانت تناقضاته أو هشاشته التنظيمية، فإنه يمثل المؤشر الأوضح على تحول الشعب من موضوع للحكم إلى فاعل في إنتاج المعنى السياسي ذاته. ومن هذا التحول ينبع الأفق الجديد لبناء الدولة والمواطنة في تونس الحديثة.
من هيمنة النخبة إلى وعي الجماعة: المشهد السياسي التونسي الجديد
2025-11-02
520 قراءة
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن