مقالات عن: سيسيل حوراني

سيسيل حوراني ...المثقف الذي جاء من بيروت ليصنع أمة

2025-11-02 515 قراءة عماد عيساوي
في تاريخ الأمم، هناك من تُكتب أسماؤهم في المراسيم الرسمية، وهناك من يُكتب أثرهم في الذاكرة الخفية للدولة.
أولئك الذين لا يظهرون في الصفوف الأمامية، لكنهم ينسجون من الظلّ مستقبل الوطن.
ومن هؤلاء، كان سيسيل حوراني الرجل الذي لم يكن وزيرًا، لكنه صاغ ما لم تصغه الوزارات: روح الثقافة التونسية الحديثة.

المثقف الذي جاء من بيروت ليصنع أمة

من بيروت إلى قرطاج، مرّ سيسيل حوراني بمرافئ الفكر والقلق العربي.
جاء إلى تونس في زمنٍ كان الوطن الفتيّ يبحث عن معنى بعد الاستقلال، زمن تتنازع فيه البلاد بين الشرق والغرب، بين التنوير والتقليد، بين الحلم والواقعية.
لم يأتِ لاجئًا ولا موظفًا، بل صائغ رؤى يعرف أنّ الحضارة تُبنى بالعقل قبل الطوب، وبالفكرة قبل البناية.

حين التقى بورقيبة في الخمسينيات، أدرك الزعيم أنّ هذا الرجل ليس “مستشارًا” بالمعنى الإداري، بل مرآة العقل الذي كان يحلم أن يكونه.
أبقاه قريبًا من القلب لا من المكتب، وجعل منه ضميرًا متنقّلًا في أروقة قرطاج.
ومن هناك بدأ حوراني ينسج خيوط مشروعه الثقافي الكبير: دولة لا تكتفي بالتحرر السياسي، بل تؤسس استقلالها الفكري.

صانع الفكرة قبل المؤسسة

في حين كان الشاذلي القليبي يبني وزارة الثقافة كهيكل إداري منظم،
كان سيسيل حوراني يبني ثقافة الدولة كمعنى، كهوية، كحلم.
هو من طرح فكرة “الموسم الثقافي الدولي في الحمامات”، ليس لترضية نخبة باريس، بل ليقول للعالم إنّ تونس قادرة على أن تُنتج فنّها وفكرها من هوائها وشمسها.

أقنع بورقيبة أنّ الثقافة، إن بقيت حبيسة العاصمة، ستظل رهينة الجغرافيا الاستعمارية.
وجعل من قصر سيباستيان المهجور في الحمامات رمزًا لتحرّر الوعي، لا مجرّد مسرح للعروض.
لقد كان حوراني يرى أنّ الثقافة ليست مهرجانات، بل هندسة للروح.
وأنّ الدولة التي لا تؤسس فكرها، ستبني قاعات عرض بلا عرض، ومتاحف بلا روح.

الظلّ الذي أنار الطريق

لم يكن يطلّ على الصحافة، ولم تُكتب سيرته في كتب التاريخ المدرسي، لكنه كان حاضرًا في كل تفصيلٍ من تفاصيل العقل التونسي الحديث.
من سياسات بورقيبة التربوية، إلى نظرة الدولة للهوية، إلى انفتاحها على العالم، كان أثره هناك غير مرئي، لكنه فعّال كنبضٍ في الشريان.
كان يؤمن أنّ الثقافة هي السلطة الناعمة للأمم، وأنّ الفكرة هي الدبلوماسية الأذكى.
فبالثقافة تُصدَّر الصورة، وبالفكر تُبنى الهيبة، وبالذاكرة تُحمى السيادة.

قرطاج… المرآة التي لم تُفقد بريقها

لو عاد حوراني اليوم إلى قرطاج، لوجدها تقف بين الأطلال كملكةٍ صامتة.
مدينة كانت العالم، صارت موقعًا أثريًا يزوره السياح ثم يرحلون.
تونس التي أنجبت عليسة وحنبعل، ما زالت تبحث عن مشروع يعيد إليها تلك الروح القديمة مشروع يربط الذاكرة بالمستقبل.
ذلك المشروع هو متحف قرطاج العظيم، المدينة المتحفية التي تحلم أن تولد من رمادها.
ليس مجرد بناءٍ أثري، بل رؤية وطنية تُجسّد ما نادى به حوراني: أن تتحول الثقافة إلى فعل سيادي، واقتصادي، وإنساني في آن واحد.

من فكرة حوراني إلى حلم قرطاج العظيم

إنّ متحف قرطاج العظيم هو امتداد طبيعي لفكر سيسيل حوراني.
هو مشروع لبعث الذاكرة كما أراد هو بعث الوعي.
أن يُحوَّل المكان إلى زمنٍ مفتوح:
يدخل الزائر في تجربة حية، يسمع فيها أصوات الموانئ القديمة، يرى عبور حنبعل للألب، ويقرأ البونية كما لو كُتبت الآن.
متحفٌ يذكّرنا أن الحضارة ليست حجارةً منقوشة، بل فكرة متواصلة.
وأنّ الأمم العظيمة لا تموت بالاحتلال، بل بالنسيان.

وصية المثقف الصامت

سيسيل حوراني لم يترك مؤلفات كثيرة، لكنه ترك أثرًا لا يُمحى:
أن تكون الثقافة ضمير الدولة، وأن يكون الفكر الوزارة الأعلى.
ترك لتونس وصية غير مكتوبة، ربما هي اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
“احموا الفكرة، فحين تموت الفكرة تموت الأمة.”
اليوم، ونحن نعيد فتح ملفات الذاكرة، علينا أن نكرّم من كتب سطورها الأولى.
أن نبحث عن الحورانيين الجدد، في الجامعات والمقاهي والمكتبات،
عن أولئك الذين سيكتبون من جديد مشروع تونس الثقافي الكبير
من قرطاج التي لا تموت، إلى المستقبل الذي لم يولد بعد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق