إنّ القول بوجود مشتـــرك قيـمــــي بين ”الإسلامييـن” و”غيرهم” بحـاجة إلى تنسيـب واستفصـال، إذ إنّ التقـاءهم حول قيمتَـي ”العدل” و”الحريّـة” مثلاً هو تقـاطع على صعيد المصطلح لا المفهـوم، إذ إنّ لكلّ طرف تصوّرَه الخاص للعدل وللحريّـة، ذلك أنّ اللغة السيـاسية المعـاصرة تخفـي تحت وحدتهـا الظاهريّـة تغـايرًا جذريًّـا في المرجعيّـات المنتجـة للمعنـى؛ فليست الألفـاظ سوى جسـور مؤقتـة تنهـار عند أول اختبــار تأويلــي، إذ إنّ كل فـاعل سياسي يُخفي خنفسـاءه في صندوق مغلـق** يتحدّث عنها كمـا لو كانت مفهومـة للجميـع بينما لا يراها سواه !..
أمّا ذلك النزوع الإنسـاني الفطري العام إلى تَينك القيمتين فلا يعني أكثر أو أقل من النفور الجبلّي من الظلم والاستعبـاد، فهو اشتراك في الغرائز لا في الغـايات العمليّـة، إذ إنّ المعـاني العليـا لا تُستنبط من الشعور إنّمـا تُؤسَّس على منظـور كوني للإنسـان والوجـود ..
ما يعني أنّ ”لقــاء الأضــــداد” الممكن بل والمطلوب هو ذلك اللقـاء القـائم على ”المضـاددة” لحظةَ ”الهدم’’؛ أي مضـاددة كل حكم/واقع/نظام غير سويّ لا يخدم فكرةَ التعـايش عبر السعي المُمنهَج إلى تقويضـه ..
ولعلّ هذا اللقاء المأمول أقرب إلى ”الهدنـة التّـاريخيّـة” منه إلى ”التحـالف القيمـي” فهو توحّد ضدّ الخصم لا على رؤية واحدة للمستقـبل؛ إذ ما إن يُهدم السجـن حتى تتفرّق بالجموع سبُل الضرب في الأرض !..
فالبحث في أسئلة ”التعايش” لا يعني التعـامي عن حتميّـة ”التدافـع” التي يلخّصهـا سؤال تحديـد قواعد التعــــايــش لحظة البنـاء والتأسيـس حيث تُستدعـى الأسئلة المؤجّلة حول ”المسألة الهوويّـة” أي مرجعيّـة الدولة والمجتمـع ..
وهنا يكمن جوهـر الإشكـال؛ إذ إنّ تنـازع التصوّرات المختلفة حول القيم الإنسانيّـة الكبرى ليس أمرًا طارئًـا أو عارضًـا، بل هو جزء من طبيعة المشـروع الفكري والسياسي لكل طرف؛ فكلّ مشروع يستبطـن تصوّرا للفرد ونموذجًا للحياة وسلطةً تأويليّـة تسعى إلى تفسـير العالم وإعادة ترتيبـه على صورتهـا ..
فـ”الإسلاميّـون” ينطلقون من رؤية تستمدّ مفاهيمهـا من مرجعية دينيّـة تجعل العدل مرتبطًا بتطبيـق القيم الإلهيّـة وتقيّد الحريّـة بضوابط شرعيّـة صـارمة ..
فالحرية في هذا السياق ليست غيـاب القيد بقدر ماهي تحرّر من الهوى، والعدل ليس مجرّد إعـادة توزيع للثروة بل هو تحقيق للموازيـن التي أنزلها الله سبحـانه وتعـالى ..
في المقـابل ينطلق ”اليسـاريون” مثلاً من أولويّـة تحقيق العدالة الاجتماعيّـة ولو على حساب حق الملكيّـة، كما يفرضـون قيـودًا على الحريّـات الفرديّـة إذا هدّدت مصالح الجمـاعة أو كرّست عدم المسـاواة، طبعًـا مع الأخذ بعين الاعتبـار تنوُّع توجهـاتهم بين من يؤيّـد تدخّـل الدولة لتحقيق ذلك ومن يرفض هيمنتهـا لصـالح نمـوذج أقلّ مركزيّـة ..
فالمرجعيّـات تختلف في الفروع، لكن قبل الافتراق في التفريـع هناك افتـراق مبدئـي في أصل الفهم للبشـر والغـاية من وجـودهم؛ فـبين عبد يتلقّـى أوامره من السمـاء وإنسـان يسنّ لنفسـه القوانيـن يكمن جوهر الخلاف ومحلّ الصّدام !..
وهذا التبـاين يجعل من لحظـة الهدم مجـالًا للتعـاون المرحلي لكنّه يجعل من لحظة البنـاء فضـاءً للصّـراع على تحديـد معـاييـر الدولة الجديـدة ..
ولئن بدت دعوى ”التعدديّـة التأويليّـة” حلاّ معقولًا لإدارة التنوّع، فإنها لا تلبث أن تنهـار أمـام حتميّـة تراتبيّـة المرجعيّـات في لحظة البنـاء؛ إذ لا يمكن لأيّ نظام أن يستقرّ دون مرجعيّة ضـابطة تحدّد الإطار القيمي والمعيـاري الذي تُوزَن به الاختيـارات السياسيّـة والاجتمـاعيّة، فالدولة لا تكتفي بإدارة الصراع بل تمأسس معنى العيش المشترك وفق تصوّر مخصوص للإنسـان والعـالم،، ومـا يُسمّى بـالحياد الإيديولوجي ليس سوى تعميَـة على غلبة مرجعيّة بعينها -غالبًـا ليبراليّة أو علمانيّـة- تتخفّى وراء لغة حقوق الإنسـان والمواطنة،، ومن ثَمّ فإنّ الحسم الإيديولوجـي ليس ترفًـا أو إقصاءً كمـا يُصوّره خصومـه، إنّـما هو شرط تأسيسي لأيّ مشروع تغييري يسعى إلى إعـادة ترتيب الاجتمـاع السيـاسي على أسس متماسكة لا على رقعة شطرنج يتعايش فيها المتضادّون بلا وجهة جـامعة أو غـاية مشتركة ..
فإن كـانت الثورة ’’لحظة نفـي” للمستبد فإنّ ما بعدهـا لحظـة إثبـات لمشروع بعينـه وبذاتـه، ولا يمكن أن تَثبت رؤيتـان في آن؛ فالعـالم لا يسع دولتين مهيمنتين بمبدأين متناقضيـن، كما لا يتّسع صدر جهاز الدولة لرؤيتين ضديدتين ؛ إذ لا بُدّ من حسم استراتيجـي(ما) وهذا الحسم -كما فصّلنا في كتاب «المسألة الهووية»- لا بُدّ أن يكون إيديولوجيًّـا !..
فالأسئلة المفصليّـة الكـبرى التي تبرز بعد سقـوط أيّ نظام منغلق تتجـاوز الشكل المؤسّسي البديل إلى المرجعيّـة القيميّــــة التي ستُبنى عليها المنظومة الوليدة !..
أيّ معنى للحرية ؟!!.. أيّ عدالة نريد ؟!!.. من يملك السلطة التأويليّـة لتحديد الإجـابة ؟!!!.. تلك هي ”معركة مـا بعد السقوط” .. معركة على الوعي لا على الكراسي فحسب !!!!..
** لفهم هذه الاستعـارة نحيل على تجربـة/فرضيّـة ”الخنفساء في الصندوق” للفيلسوف التحليلي النمساوي فيتجينشتاين ..
The beetle in the Box
خنـــافـس الـتـأويــل ..قراءة في التوتّـر المرجعي بين الإسلاميين وغيرهم
2025-11-01
542 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن