الجنسية من غير روح تصير مجرد أوراق رسمية. المواطنة من دون روح هي مجرد علاقة تعاقدية ممكنة الانفصال في أي لحظة. علاقة الإنسان بالوطن والأمة ليست جنسية ورقية أو مواطنة تعاقدية وإنما انتماء روحي - سياسي - مجتمعي.
الانتماء الوطني / القومي ليس صدفة ولادة أو وضعًا مؤقتًا حتى أن نجد ما هو أفضل. الانتماء الوطني / القومي هو اختيار روحي حر مسؤول وأبدي. الانتماء الوطني / القومي هو اختيار، هو موقف، هو إرادة، إرادة انتماء وإرادة فعل كذلك.
هذا الانتماء الذي هو إرادة روحية - سياسية - مجتمعية يرتكز حتميا على الوعي، وإلا فلن يكون حرًا. إرادة الانتماء تستلزم الوعي بالانتماء، والوعي بالانتماء يعني الوعي بحقائق الوطن / الأمة اللتين ينتمي إليهما الإنسان.
تونس ليست مجرد شكل جغرافي في خريطة العالم، وتونس ليست مجرد منظومة قانونية مجردة، تونس ليست مجرد منظومة سلطوية وأجهزة دولة. تونس أكبر من أن تكون رقعة أرض وآلة قانونية - سلطوية. تونس وطن، تونس شعب وتونس أمة.
تونس جسد حي وروح حية، ولذا فإن لتونس تاريخًا وتراثًا خاصين بها. التونسي الحقيقي هو الإنسان المنتمي لهذا التاريخ والشريك في هذا التراث، ولذا فالتونسة تتحقق وتكتمل باستيعاب التاريخ والتراث التونسيين مهما كانت قيمتهما وجدواهما.
الشخص يحتاج الوعي بنفسه ووجوده المستقل، وإلا فإنه يضيع ويتوه في العالم. بدون الوعي الذاتي يستحيل على الشخص أن يتحكم في سلوكه ومصيره. الأمة هي الأخرى تحتاج للوعي، ووعي الأمة يتجسد في وعي المنتمين إليها بها. يستحيل أن تكون الأمة واعية بذاتها إذا كان أبناؤها فاقدي الوعي بتاريخها وتراثها.
الأمة التونسية تعاني من فقدان الوعي بها، بتاريخها وتراثها، والنتيجة كانت أن حاضرها ومستقبلها ظلا رهيني نخب سياسية تابعة للخارج ومسحورة به. التبعية الفكرية - السياسية للخارج سببها الرئيسي الأول هو فقدان الرابط الروحي بالتاريخ / التراث التونسي. انعدام التجذر في التربة الروحية التونسية يجعل النخب الجديدة سهلة الاقتلاع وإعادة الزرع على أساس الأفكار، القيم والمصالح الأجنبية في تونس.
أزمة الهوية التونسية التي أشعلت البلاد في 2011 والتي انقسمت النخبة التونسية جرّائها كان سببها الرئيسي هو الجهل الفادح بالتاريخ / التراث التونسي والوعي السياسي السطحي المشوه الناشئ عن ذلك.
التخبط السياسي الذي نعانيه منذ الاستقلال، حيث تتلاحق علينا السياسات التعليمية - الاقتصادية - المجتمعية المستوردة، سببه الجهل بالتاريخ / التراث التونسي، وبالتالي الجهل بالحقيقة النفسية - المجتمعية التونسية وبما يتلاءم معها من منظومات تعليمية - اقتصادية - ثقافية، إلخ.
اللامبالاة، الانعزالية، الأنانية، الجهوية، رفض الانتماء لتونس، وجزء كبير من أمراض الأمة السياسية - المجتمعية سببهم ضعف الانتماء التاريخي التراثي. روابط الإنسان الجماعية أساسها روحي / عاطفي، وهذا الأساس يتدعم وينغرس بقدر توسع وتعمق الوعي بالتاريخ / التراث الجماعي، وهذا بالضبط ما هو مفقود أو شبه مفقود في تونس.
الفرع يجب أن يظل مرتبطًا بالجذع، والجذع يجب أن يرتكز على جذور، والجذور يجب أن تكون منغرزة بعمق في الأرض، هذا ما يجعل الشجرة تمتد في السماء، ويصعب جدًا اقتلاعها، وحتى لو قطع فرع يعاود الانبثاق مكانه فرع جديد، ولو قطع الجذع يعاود النبات جذعًا جديدًا، لكن لو استؤصلت الجذور تموت الشجرة. جذور الأمة هي تاريخها وتراثها، وحين يضعف ارتباط الأمة بهما ووعيها بحقيقتهما يضعف ارتباطها بالأرض وتبدأ بالتفكك والتلاشي تدريجيًا.
معركة القوة والتقدم التونسيين هي معركة روحية - عاطفية قبل أن تكون مادية. من المستحيل الحلم بأي تقدم في أي مجال ونحن نجهل أو ندرك بسطحية تاريخنا وتراثنا. التقدم أي تقدم كان هو مقارنة بوضع سابق، وإذا كنا نجهل الوضع السابق فلن نعرف أصلًا هل تقدمنا أم لا. جهلنا بالتاريخ يجعلنا نكرر الأغلاط والكوارث، جهلنا بالتراث يتسبب في إفلات فرص معارف قابلة للاستخدام أو إعادة الاستخدام النافع والتقدمي.
أي تقدم كان هو نتيجة عمل، مجهودات، فكر وتضحيات نخبة وشعب. التقدم التونسي يحتاج نخبة تقدمية تونسية. هذه النخبة من المستحيل أن تضحي لأجل تونس إذا كانت تجهلها أو تعرفها سطحيًا. النخبة التقدمية الحقيقية تحتاج الانغراس في أمتها لتضحي لأجلها، وبدون هذا ستفكر في الهجرة بحثًا عن ظروف أفضل عوض النضال لتحسين الظروف التونسية.
التونسة ليست انتماءً سطحيًا، التونسة ليست انتماءً عرضيًا، التونسة ليست صدفة ولادة، التونسة اختيار، التونسة إرادة، التونسة وعي بالامتداد التاريخي، الجغرافي والحضاري. التونسة هي استمرارية روحية، تاريخية وحضارية، ولذا فإنها تشترط الوعي بالتاريخ والتراث قبل الحصول على الجنسية، بطاقة التعريف أو جواز السفر.
التونسي الحقيقي هو فرع من الشجرة السياسية - المجتمعية التونسية، وكي يكون الفرع مورقًا ومثمرًا يجب أن يتحصل على النسغ القادم من الجذور، والجذور كي تصنع النسغ تحتاج الامتداد عميقًا في أعماق الأرض التونسية.
الحياة التونسية الحقيقية هي ارتباط حيوي بين كل مكونات الأمة، ولذا فإنها تحتاج لوعي عام أدنى عند كل التونسيين الحقيقيين، وهذا الوعي العام الأدنى هو: الوعي بالتاريخ والتراث التونسيين. وهذا بالذات ما هو ناقص اليوم عند النخبة والشعب، والأصولية الفكرية التونسية مهمتها سد هذا النقص وملء هذا الفراغ الفكري الروحي، المتسبب الرئيسي في الأزمة القيمية، الفكرية، العاطفية والسياسية التونسية.
ازمة الوعي التاريخي-التراثي التونسي و التونسة الحقيقية
2025-10-30
600 قراءة
سفيان بن الصغير
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن