* أتذكّـر جيّـدًا كيف كنت أمـارس شعـائر الديـن وفق مـا تفتّـق عليه وعيي في بيئتـي؛ أتوضّـأ وأصلّي وأصوم كما يفعل مَن حولـي، دون التفكيـر مطلقًـا في المذهب الذي أنتمـي إليـه، كنت أعلم أنّ تونس بلد ”مـالكي” لكن هذا لم يكن يعنـي لي أكثـر من كونـه معلومـة ثقافيّـة عـابرة، حتّـى أنّي لم أكن ألقي بالاً لخطيب الجمعـة وهو يشيـر بشكل عرَضـي إلى بعض التفاصيل المذهبيّـة ..
استمرّ الوضـع على ماهو عليه إلى أن بدأتُ أرصد الاختلافـات الفقهيّـة عند الانفتـاح على مدارس أخـرى أو عند القراءة عن بعض المسائل التي لم تكن مألوفـة لدي،، حينهـا أدركت أن علاقتـي بالمذهب كـانت سطحيّـة جدًّااا؛ مجرّد تقليـد اجتمـاعـي غيـر مؤسَّس على وعـي حقيقـي بأصـوله ومنهجـه العـام، لم يكن هذا الوعـي ضروريًّـا في نظـري حتى واجهتُ تحديّـات فكريّـة جعلتنـي أعـي أنّ غيـاب الحدّ الأدنـى من المعرفة المذهبيّـة من شأنه أن يترك فراغًـا قد تملؤه أفكـار مشوّشـة أو فتـاوى غيـر منضبطـة لا تمتّ لمدرستـي الفقهيّـة بصلة !..
في الحقيقـة لم يكن الوعـي بـالمذهب جزءًا من التكويـن الدينـي والثقـافي الفردي للتونسييـن الذين نشؤوا في بيئة يغلب عليها ”التديّـن العـفــوي” الذي يتوارث العبـادات والتقـاليد دون وعـي نظـري بمصـادرهـا الفقهيّـة، ذلك أنّ المذهب المـالكي الذي يُعد الإطار الفقهـي الغالب في البلاد ظلّ مجرّد مرجعيّـة ضمنيّـة تتجلّى في الممـارسـات الدينيّـة اليوميّـة لا في إدراك أو التـزام واعٍ بأصـوله وفروعـه ..
وضمـور الوعـي المذهبـي هذا ؛ من حيث التحقيق التاريخي؛ هو انعكـاس لمسـار طويل سـاهمت في تشكيله الدولة الحفصيّـة ثمّ الحسينيّـة من خلال مؤسسـاتهـا التعليميّـة والدينيّـة حيث تمّ ترسيخ المذهب بوصفه مذهبًـا رسميًّــا دون أن تعمـل على نشـر ثقـافته بين عمـوم الناس نشرا أفقيًّـا منهجيًّـا ولو بـشكل مجمَـل ومبسّط،، كمـا أنّ حركـة التغريـب الثقـافي فـي الحقبـة الاستعمـاريّـة ومـا بعدهـا عمّقت هذا الانفصـال، إذ انشغـل المجتمـع بقضـايـا الهويّـة والحداثـة أكثـر من انشغـاله بالتكويـن الفقهـي الممنهـج، والحـال أنّ ”التديّـن المجتمعـي” بمعنـى التمسّك العـام بالشعـائر والعبـادات ليس كـافيًـا، لا يكفي ترديد تلك العبـارة الوجدانية المتفجّرة «نحن مسلمـون وكفـى»،، بل لابُـدّ أن يكون هذا التديّـن مؤطَّـرا بـوعي مذهبـي(ما) يحفظ منظومتـه العقديّـة والفقهيّـة من التشويـش والاختراقـات الفكرانيّـة،، فالوعـي الدينـي المُجمَـل رغم ضرورتـه ربّمـا لا يكون كـافيًـا أمـام التحديّـات الفكريّـة والعقديّـة التي تستهدف الانتمـاء الهووي الإسلامي في عمقـه،، ذلك أن التديّـن الشعبـي القـائم على العـرف والتقاليد الدينيّـة دون استنـاد إلى معرفـة ”شبـه متخصّصة’’ بـالمذهب يظل هشًّـا أمـام أي تيـار يملك خطابًـا مؤدلجًـا أو تأويـلات منحرفـة قـادرة على زعزعـة هذا التديّـن الفطـري،، والحقيقـة أنّنـا جميعًـا -باستثناء أهل الاختصـاص الشرعـي(وكاتب هذه السطـور ليس منهم)- ضحـايا هذه ”الفجوة الإدراكيّـة المذهبيّـة” ولو بتفـاوت !..
فمـا يجب التشديد عليه هنـا؛ هو أنّ المذهب أكثـر من مجرد مجموعـة من الأحكـام الفقهيّـة التي تنظّـم العبـادات والمعـاملات، إنّـه جزء من هويّـة الجمـاعة المسلمـة الذي يحفظ استمراريتهـا الفكريّـة ويرسّخ انتمـاءهـا إلى مدرسـة سُنيّـة واضحة المعـالم الأصوليّـة والمنهجيّـة،، ففي المجتمعـات التي غـاب فيهـا الوعي المذهبـي وجدنـا حـالات انـزلاق إلى اتجاهـات عقديّـة منحرفـة سواء عبر التشييـع أو التغريـب الحداثـي الذي يسعـى إلى ”علمنـة الديـن” وإفراغـه من مضمونـه التشريعـي ..
تتبدّى أهميّـة المذهب من خلال ما يقترحـه من منظـومة فكريّـة متمـاسكة تربط الفرد بجذوره العلميّـة وتوفّـر له أداة للفهم والاستـدلال تجعله قـادرًا على التمييـز بين الفكر الأصيـل والدخيـل وبين الاجتهـاد الشرعـي السـائغ والاجتهـاد التحريفـي غير المنضبط،، في المقـابل؛ يتركنـا التديّـن غير المؤطَّـر بمذهب محدّد نهبًـا للخطابـات المتضـاربة والمتطرّفـة إفراطًـا أو تفريطًـا، وهو مـا يفضـي في النهـاية إلى تآكـل الهويّـة الدينيّـة تحت وطأة الشبهـات أو التيـارات الوافدة !..
إن الدعـوات التي تسوِّق لفكـرة ”الإســلام المجرّد” بعيـدًا عن المذاهـب ليست سوى وهم يؤدّي إلى مزيـد من الفوضـى الفكريّـة والذهنيّـة، لأن الإسلام في تجلّيـه الواقعـي لم يكن يومًـا دينًـا بلا مدارس، بل كـان دائمًـا مرتبطًـا بأطر مذهبيّـة واضحة حفظت أصوله ومنعت تفكّكه إلى قراءات فرديّـة متنـاكفة،، أمّـا الاحتجـاج بغيـاب المذهبيّـة في عصرَي النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين فهو من القيـاس الفـاسد، إذ لم يكن هنـاك حـاجة زمن النبوّة إلى مذهب بالمعنى الاصطلاحي لأن التشريـع كان يُتلقّـى مبـاشرة من الوحي من خلال شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ،، وكذلك في زمن الخلفـاء حيث كان الصحـابة منتشريـن في الأمصـار ولكل منهم اجتهـاده المستند إلى مبـاشرته للنصوص الشرعيّـة دون أن يكون هنـاك حـاجة إلى وضع أطـر مذهبيّـة واضحة لأنّهم جميعًـا كانوا أقرب إلى المصدر الأصلي للدين مع نقطـة مهمّـة تتعلّق بمحدوديّـة مسـاحة الدولة الإسلاميّـة ..
ويشهد الواقـع أنّ المجتمعـات التي حـافظت على تمـاسكها المذهبـي كانت أقل عرضـة للاختراقـات والانزيـاحـات الفكريّـة كالدولة العثمانية في ذروتها بينما تلك التي تبنّت نهج ”الحيـاد المذهبـي” شهدت انتشار البدع والانحرافات العقديّـة بل وحتى تسرّب الأفكار اللادينية إلى بنيتهـا العقليّـة كالأندلس بعد سقوط الدولة الأمويّـة/مزيد إضعـاف الوعي المذهبـي في تونس ”مـا بعد الاستقلال” ..
إنّ مجرّد معرفـة اسم المذهب الذي ننتمـي إليه غير كـافٍ، لابُدّ من إدراك بعض التفاصيل الأساسيّـة التي تحصّننـا فكريـا وتساعدنـا على فهم ديننـا بطريقة صحيحة،، فليس المطلوب منّـا أن نكون متخصصين في أصول الفقـه، لكن من الضروري أن نعرف أن مذهبنا يقوم على أصول علميّـة ومنهجيّـة واضحة؛ كقيـام الاستنباط على الكتـاب والسّنّـة مع اعتمـاد عمل أهل المدينـة والمصالح المرسلة والاستحسـان وسدّ الذرائـع،، فمعرفة هذه الخطوط العـامّة من شأنهـا أن تمنح المسلم ثقـة بمنهجه الفقهـي وتسـاعده على فهم سبب اختلاف الفتـاوى بين المذاهب، ثمّ إنّ الإحـاطة بأبرز الأحكـام التي تميّـز المذهب تُنضج فهم التنوّع وأنّه ليس كل اختـلاف هو ابتداع أو خروج عن الدين،، على غرار وضع اليدين بعد الركـوع وما شـابه ..
ولعلّه من المهم أن نؤكّد في هذا السيـاق أنّ التمذهب لا يعني التعصّب المذموم أو رفض المذاهب الأخرى، بل هو وسيلة لتنظيم ما نسمّيـه ”العقـل الدينــي العملي” واستمـرار الاجتهـاد داخل إطـار مضبـوط، فهذا الفهم يحمـي العوام من الوقوع في التطرّف الموقـفي سواء بالرفض الكلي للمذاهب والدعوة إلى ”لامذهبيّـة فوضويّـة”كالنموذج الداعشي والخوارجي أو بالتعصّب الذي يجعلهم ينكرون مشروعيّـة الاختلاف والسعة التأويليّـة داخل الشريعـة ..
قصـارى القول وصفوتـه ..
صحيح أنّ عـامة التونسييـن يعـانون -بالتوازي مع كل ما تقدّم- من عدم الوعي بعقيدتـهم الأشعريّـة وطريقة الجُنيد السالك إلاّ أنّ انعدام ”الوعي المذهبـي” هو الأشدّ خطــرًا في رأيي،، لأنّ الفقه هو الذي ينظّم علاقة المسلم بعبـاداته ومعاملاته اليوميّـة، وهو المجـال الأكثر عُرضـة للتشويش والاختراق،، فالمجتمع الذي يجهل أصول عقيدتـه قد يبقى محافظًا على الحدّ الأدنى من التصورات الصحيحـة بحكم العـادة والتوارث، أمّـا المجتمع الذي يفتقد المرجعية الفقهية الواضحة فإنه يصبح فريسـة لفوضى التمثُّـل الشرعـي والحضـاري، حيث يتلاعب به كل صاحب خطاب ديني عـابر سواء كان مغاليا أو جافيًا/متسيّبًـا،، ولهذا فإنّ إحيـاء الوعي بالمذهب المـالكي بين العـامة ليس مجرد استعـادة لتراث فقهـي بل هو تحصيـن للهُويّـة الدينيّـة من أن تتحول إلى تديّـن غير منضبط سهل الاختراق وقـابل للتلاعب !..
أهميّـة الوعـي المذهبــي في مواجهـة التشويـش الـهوَوي
2025-10-28
708 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن