مقالات عن: التاريخ

حين يعلو صوت الجهل، يصمت التاريخ، ويبدأ الانحدار.

2025-10-26 702 قراءة عماد عيساوي
في هذا الزمن المائع، صارت تونس مختبرًا للجهل الرقمي، وسوقًا مفتوحة للوهم، ومسرحًا يُصفّق فيه الجاهل لنفسه ويُهلّل له جمهور من المُخدّرين.
بلادٌ كانت تُنجب الفلاسفة والمصلحين، صارت تُنجب “مؤثرين” بلا أثر، يُفتون في الطب بلا شهادة، ويُدرّبون على النجاح وهم فاشلون، ويبيعون “حكمة” لا يعرفون معناها.

كل شيء صار قابلًا للبيع: الجمال، والروح، والعقل، وحتى المرض.
تفتح هاتفك فتجد طبيبًا من “تيك توك” يصف لك دواءً كما يصف وصفة "كوسكسي"، وتجد خبيرًا ماليًا يعلّمك الاستثمار وهو لا يملك ثمن فنجان قهوة، وتجد "مدربة حياة" تبيع السعادة في كورس مدفوع وهي نفسها تغرق في الاكتئاب.

لقد صار الجهل مهنة، والوهم صناعة، والناس زبائن في سوق الغباء العام.
صار المؤثر هو من يُتقن “التصوير”، لا من يُتقن “الفكر”.
صار كل من وضع فلترًا على وجهه يظن نفسه جميلًا، وكل من حفظ جملة من “نابوليون هيل” يظن نفسه فيلسوفًا.
يا للمهزلة!

تونس اليوم تضحك وهي تنهار.
تحتفل بترندٍ جديد وهي تفقد جيلًا جديدًا.
جيلٌ يُقاس ذكاؤه بعدد المتابعين، وعمقه بعدد القلوب على الشاشة.
جيلٌ لا يقرأ إلا التعليقات، ولا يتعلم إلا من اللاشيء.
جيلٌ يتخذ من الجهل قدوة ومن الفارغ نبيًّا.

أيها السادة، نحن نعيش استعمارًا جديدًا، استعمارًا للعقول عبر الشاشات.
لم يعد العدوّ يأتي بالدبابة، بل يأتي بالهاشتاغ.
يُخدّرك بالضحك، ويُسرق وعيك بالترفيه.
جيلٌ كامل يُعاد تشكيله كل خمس عشرة ثانية — مدة فيديو.
جيلٌ بلا ذاكرة، بلا فكر، بلا مناعة فكرية.

في الصين، تُغلق الدولة فم الجاهل.
في سنغافورة، يُغرَّم من يضلّل الناس.
في أوروبا، يُحاسب من يبيع الوهم.
أما في تونس، فالجهل مقدّس، والمحتال “نجم”، والمخادع “قدوة”.

هل يعقل أن تُلاحَق فتاة لأنها عبّرت عن رأيها في الأخلاق، بينما تُترك أخرى تنشر وصفات دواء خطيرة دون رقيب؟
هل يُعقل أن يُسجن من يكتب، بينما يُكرّم من يضلّل؟
أي منطق هذا؟ وأي دولة هذه التي تحمي السطحية وتعاقب الوعي؟

لقد آن الأوان لقول الحقيقة:
تونس ليست فقيرة في المال، بل في الوعي.
فقرها الحقيقي ليس في الخزينة، بل في الرؤوس التي تُفرغ كل يوم على منصات التواصل.
نحن نحترق تحت دخان “المحتوى الفارغ”، ونغرق في بحر من "النصائح السامة".
وهناك من يربح، وهناك من يصفق، وهناك من يموت بصمت.

نحتاج إلى ثورة جديدة، لا تُرفع فيها الرايات السياسية، بل تُرفع فيها راية الكفاءة.
نحتاج إلى قانون يقول: “من دون علم، لا كلمة”.
نحتاج إلى دولة تُعيد الاعتبار للعقل، قبل أن نصبح جمهورية كاملة من المهرّجين الرقميين.

يا تونس، عودي إلى نفسك.
لقد سرقوا صوتك، شوهوا وعيك، جعلوكِ مادة للضحك.
الوقت لم يعد يسمح بالمجاملة.
البلاد التي لا تحمي عقلها، لا مستقبل لها.

فلنقلها صريحةً :
"حين يعلو صوت الجهل، يصمت التاريخ، ويبدأ الانحدار."
وها نحن في الانحدار…
إلا إذا نهض العقل التونسي، من تحت الركام، صارخًا:
كفى عبثًا، كفى تجهيلًا، كفى جمهورية للّاشيء!

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق