لم يكن مؤتمر الإفخارستية الذي انعقد في ربوع تونس في ماي من سنة 1930 مجرد احتفال ديني عابر في سجلات الإدارة الاستعمارية الفرنسية بل كان حدثا أكبر من زمنه وأقرب إلى نبوءة استعراضية منسية خرجت فجأة من متون الكتب القديمة لتصدم الوعي الجمعي لشعب بأكمله.
كان ذلك الأسبوع الاستثنائي هو اللحظة التي ارتجفت فيها أرض قرطاج لمرة ثانية لا برعد السيوف أو صهيل الخيول في الحروب القديمة بل برعد الرموز العميقة وزلزال الهوية الحاد ، ففي ذلك الربيع الدافئ بينما كانت أوروبا تعيد رسم خرائطها الروحية والسياسية المأزومة بين أنقاض الحرب العالمية الأولى وظلال الفاشية المتصاعدة قررت فرنسا المقيمة العامة أن تستدعي ماضيا رومانيا سحيقا وأن تضع التل التونسي في قلب مسرح طقسي هائل كأن الزمن الكوني عاد فجأة إلى الوراء وكأن الرومان ينهضون من رمادهم وأطلالهم ليقيموا قداسا جنائزيا فوق أنقاض إمبراطوريتهم الضائعة معلنين بصلف كولونيالي استعادة الأرض والروح معا.
كل شيء بدأ بفكرة طليعية صيغت في أروقة الرهبانيات ورسائل الدبلوماسية السرية حيث التقت أطماع المقيم العام Lucien Saint مع تطلعات النخب الكاثوليكية الغربية.
كان الأب اليسوعي Joseph Pouget ذلك الرجل ذو العينين اللتين تتلألآن بشرر عقائدي وكأنه يرى الممالك المندثرة تبعث من التراب قد قرر أن أطلال قرطاج ليست مجرد حجارة رومانية ميتة تجذب السياح والمؤرخين بل هي رفات مسيحية نائمة يمكن بعثها وتوظيفها لشرعنة الوجود الاستعماري.
وفي المقابل كان المؤرخ والأديب Louis Bertrand المنظّر الأبرز لمفهوم إفريقيا اللاتينية والداعي إلى اعتبار شمال إفريقيا امتدادا طبيعيا وثقافيا للروح الرومانية القديمة يدفع بالفكرة إلى أقصى أبعادها الصادمة معلنا في كتاباته أن تونس ليست بلدا إسلاميا في جوهره بل هي أرض كاثوليكية نائمة تحت وطأة غيبوبة استمرت 14 قرنا وأن الواجب الحضاري والمقدس لفرنسا يقتضي إيقاظ هذا الجسد النائم واستعادة ذاكرته الأولى بالقوة والرمز.
هكذا تشكلت هندسة التحضير لمؤتمر الإفخارستية الـ 30 وهو حدث أرادت له دوائر Vatican وسلطات الحماية الفرنسية أن يبدو كاحتفالية روحية مجردة بينما كان في عمقه السياسي والأيديولوجي سياسيا حتى العظم ومحاولة صريحة لإعادة استعمار الماضي وحيازته قبل المستقبل.
فرنسا التي وطئت أقدام جنودها التراب التونسي سنة
1881 بالبنادق والمعاهدات المهينة قررت عام1930 أن تدخل البلاد من الباب العريض للكنيسة لتقول للتاريخ وللقوى الاستعمارية المنافسة إنها الوريث الشرعي والوحيد للإمبراطورية الرومانية في العروض الإفريقية.
وكان البابا Pius XI يبارك هذه التمثيلية الهائلة من محبسه الفاتيكاني مبعوثا ممثله الشخصي الكاردينال Alexis Lépicier وهو رجل دين وسياسة يتأبط فكرا متجددا ويعرف جيدا أن الدين حين يقحم في صراعات الهيمنة السياسية يتحول إلى سلاح أبيض حاد لا يلمع في الظلام بل يجرح الهويات الوطنية في الأعماق بلا صوت.
في صباح 7 ماي من ذلك العام وتحت حراسة مشددة من السلطات الفرنسية المدنية والعسكرية شهدت شوارع العاصمة تونس واختنقت أزقتها بحشود كاثوليكية غفيرة جاءت من أشتات الأرض في مشهد لم تشهده البلاد منذ القرون الأولى.
اختلطت البهرجة الرسمية للأوساط الاستعمارية بالصلبان الذهبية المرفوعة وتداخلت ألوان الفاتيكان مع العلم الفرنسي المثلث الألوان لترسم لوحة كانت أقرب إلى فتح ديني استعلائي لا يخفي أهدافه الغازية.
ووقف الأهالي التونسيون في المقاهي والأزقة المتاخمة مذهولين ومصدومين من هول المشهد يتساءلون في سرهم وعلنهم عما إذا كان هذا الموكب مجرد استعراض طقسي عابر أم هو استفزاز متعمد لمشاعر أمة مسالمة أم إعلان صامت يهدف إلى نفي الوجود العربي الإسلامي والتأكيد على أن هذا الدين ليس سيدا أول على هذه الأرض العريقة.
غير أن اللحظة الأشد خطورة والصدمة التي زلزلت الوجدان الوطني حدثت في اليوم التالي حين تحولت مسارح قرطاج الأثرية إلى مسرح لموكب مهيب تشكل من 6000 طفل وطفلة ارتدا معظمهم ملابس صليبية صغيرة واستحضروا زياء الفرسان القدامى حاملين سعف النخيل وسائرين في خطوط هندسية طويلة تشق الطرقات الفاصلة بين المدرجات الرومانية الصامتة.
كان هذا المشهد الدرامي كفيلا بأن يستفز الذاكرة التاريخية لكل تونسي وتونسية حيث رأوا أطفالا بثياب صليبية يتحركون فوق أرض احتضنت مجد حنبعل وقرطاج الفنيقية وشهدت الفتح الإسلامي على أيدي عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وترسخت فيها مدرسة مالك بن أنس والشيخ
ابن عرفة.
بدا المشهد وكأنه صورة حية اقتُطعت من حروب القرن 12 لتعيد من خلالها أوروبا الكولونيالية تجربة الحملات القديمة ولكن هذه المرة دون إشهار السيوف بل باستخدام قوة الرموز والاستيلاء على الفضاء التاريخي.
توالت القداسات والصلوات في الأيام التالية داخل أماكن لم يكن اختيارها وليد المصادفة بل تم انتقاؤها بعناية جغرافية وتاريخية خبيثة بدءا من البازيليكا القديمة المتهالكة على قبة تل بيرسا مرورا بكنيسة القديس كبريان التي تقف كالحارس العتيق المطل على البحر المتوسط وصولا إلى المسرح الروماني الذي تم تحويله إلى مذبح مفتوح.
كانت الرسالة الاستعمارية واضحة ومباشرة لكل من يتقن قراءة لغة الإمبراطوريات ومفادها أن هذا التاريخ اللاتيني هو ملك أصيل لفرنسا وأن هذه الأرض كانت تابعة للغرب الكاثوليكي وستظل كذلك وأن القوة الغاشمة تستطيع أن تحول الحق الادعائي إلى واقع جيوستراتيجي.
غير أن هذه الاستعراضات الطقسية أدت إلى مفعول عكسي تماما إذ أثارت موجة عارمة من الغضب والتعبئة الشاملة في مختلف ربوع البلاد التونسية.
غلت تونس كالمرجل وانطلقت النقاشات الساخنة في المقاهي الشعبية المحيطة بباب البحر وباب السويقة واهتزت أروقة جامع الزيتونية المعمور بحلقة علماء الشريعة وطلاب العلم وسرت الحماسة في صفحات الصحف الوطنية التي بدأت تكتب بحبر متفجر بالغضب والاستنكار.
وسرعان ما امتدت شرارة القلق والرفض من العاصمة إلى الحواضر التاريخية في صفاقس والقيروان والمنستير وسوسة حيث تساءل الجميع عن المغزى الحقيقي للحدث وعما إذا كانت باريس تسعى لتسريع عملية مسخ الهوية التونسية وتحويل البلاد إلى حديقة خلفية لماضيها المسيحي أم أنها تنفذ تجربة ميدانية لاختبار مدى قدرة الشعب التونسي على المقاومة والصمود.
في تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ تونس الحديث أدركت الحركة الوطنية التونسية بنخبها القديمة والحديثة أن المعركة الحقيقية مع المحتل الفرنسي لم تعد تقتصر على مطالب جزئية تتعلق بالضرائب وتعديل القوانين أو المطالبة بتمثيلية في المجالس الاستشارية بل أصبحت معركة وجود وهوية بالدرجة الأولى.
فهم التونسيون أن الاستعمار لا يستهدف مقدرات الأرض وثرواتها الجسدية فحسب بل يسعى إلى انتزاع روح الأمة وإلغاء ذاكرتها التاريخية.
ونتيجة لذلك خرج طلائع الطلاب الشباب في مظاهرات حاشدة هزت العاصمة وكتب الشيخ عبد العزيز الثعالبي من منفاه تحذيرات شديدة اللهجة ينبه فيها فرنسا من عواقب اللعب بالنار والمساس بالمعتقدات الروحية للشعوب.
كما وجدت النخب الوطنية الشابة التي كانت تتشكل آنذاك في المؤتمر فرصة تاريخية سانحة لكشف القناع عن الوجه الحقيقي للمشروع الاستعماري وتبديد أوهام التحديث الصوري.
ارتكبت الدوائر الاستعمارية الفرنسية خطأ استراتيجيا قاتلا في حساباتها السياسية والاجتماعية حيث توهمت أن العقود المتطاولة من الحماية الفرنسية والسياسات التغريبية القسرية قد جعلت الشعب التونسي أكثر استكانة ولينا وأكثر تقبلا للخطابات الرمزية الآتية من باريس.
إلا أن غفلة المستعمر جعلته ينسى حقيقة تاريخية خالدة وهي أن الشعوب الصامتة تحت وطأة القهر هي الأشد خطورة وتأثيرا عندما تتعرض مقدساتها للانتهاك لأنها تختزن غضبها في طبقات الذاكرة العميقة وحين تأتي اللحظة الحاسمة ينفجر ذلك الغضب الكامن دفعة واحدة كبركان ظل يكتفي بنفث الدخان قبل أن يقذف حممه الملتهبة ليعيد تشكيل المشهد السياسي برمته.
تجمعت 3 عوامل مركزية حوّلت هذا المؤتمر إلى كارثة رمزية وسياسية على فرنسا ونفوذها في المنطقة.
أول تلك العوامل تمثل في التوقيت العالمي المتوتر حيث كانت أوروبا في ثلاثينيات القرن 20 تنزلق نحو الفاشية والاستبداد وكانت إيطاليا تحت حكم Benito Mussolini تنظر إلى تونس كجزء من أراضيها الاستعمارية الموعودة تحت شعار استعادة البحر المتوسط في حين كانت ألمانيا تعيد بناء قدراتها العسكرية وإنجلترا تبسط نفوذها البحري مما جعل كل قوة استعمارية تبحث عن رمز يكرس هيمنتها، إلا أن فرنسا اختارت الرمز الخاطئ في المكان والزمان الخاطئين.
أما العامل الثاني فهو الاختيار الاستفزازي لقرطاج تحديدا وهي البقعة التي تحمل في طياتها ذاكرة صراع صلب وأبدي بين الشرق الغارب والغرب الصاعد فلو عقد المؤتمر في كنيسة مغلقة بالعاصمة لمر الحدث بسلام لكن استحضار التاريخ اللاتيني لقرطاج لشرعنة الاستعمار أعاد فتح الجراح التاريخية الغائرة.
أما العامل الثالث والأشد خطورة فيكمن في التعامل الاستعماري السطحي مع الدين الإسلامي كأنه مجرد عقبة ثقافية بسيطة يمكن تجاوزها أو تحييدها بالاستعراضات الطقسية والرموز الفاتيكانية.
وكان ذلك جهلا فاضحا بطبيعة الاجتماع التونسي فالإسلام في تونس خلال تلك الفترة لم يكن مجرد طقوس وشعائر دينية فردية بل كان المقوم الأساسي لمعنى الوطنية والمعادل الوجودي لتراب تونس وهويتها الجامعة وكان المساس به يعد استهدافا مباشرا للكيان الوطني وليس مجرد اختلاف عقائدي.
وفي مقابل هذا الشطط الاستعماري ولد الوعي الوطني التونسي وتصلب عوده كأنه كائن أسطوري يخرج من رحم الألم والمعاناة حيث أدرك التونسيون أنهم ليسوا مجرد رعايا صامتين في إمبراطورية غربية بل هم شعب أصيل يملك الإرادة والحق في تقرير مصيره.
صار جليا للجميع أن المعركة القادمة لن تكون معركة مطالبات إصلاحية مائعة بل ستكون معركة تحرر وطني شامل لن تتوقف إلا بنيل الاستقلال الكامل.
ورغم أن استقلال تونس لم ينوّر آفاق البلاد إلا بعد 26 عاما من ذلك الحدث وتحديدا في عام 1956 فإن بذرة التحرير الأولى ونواة الوعي الاستقلالي الصارم قدست وزرعت في أرض مايو من عام 1930 في قلب مؤتمر أراد له الفرنسيون أن يكون وثيقة إعلان روحي لسيادتهم الأبدية فإذا به يتحول بفعل المقاومة الشعبية والوعي الوطني إلى إعلان وطني مضاد دشن مرحلة جديدة من النضال.
من المفارقات التاريخية العجيبة أن الصحافة الفرنسية ذاتها لم تخل من صدمة النقد والتنديد حيث بادرت الصحف الممثلة للتيارات الجمهورية والعلمانية إلى مهاجمة المؤتمر بشدة معلنة صراحة أن السلطات الاستعمارية خانت قيم المبادئ العلمانية التي قام عليها النظام الجمهوري في فرنسا. كما وصفت صحف اليسار الفرنسي التظاهرة بكونها مسرحية صليبية مجانية ومزعجة تضر بفرنسا قبل أن تضر بالتونسيين بينما اكتفت صحف اليمين المسيحي بالاحتفال بانتصار وهمي لم يتحقق على أرض الواقع لأن التجربة أثبتت أن المستعمر الذي يلجأ إلى استدعاء الزخارف الدينية والأساطير التاريخية لتعويض عجز مشروعه السياسي يكون غالبا قد دخل مرحلة الانحدار والشرذمة.
كان مؤتمر الإفخارستية لعام 1930 درسا عميقا في فلسفة الجغرافيا الروحية والتاريخ السياسي لملايين الشعوب
إذ أثبت لكل القوى الإمبريالية أن بإمكان الجيوش القوية أن تسيطر على الجغرافيا والموانئ والمجالس لكنها تعجز تماما عن امتلاك الذاكرة الحية للشعوب أو توجيه وجدانها الأصيل. تستطيع القوة الغاشمة أن تحكم المدن وتفرض حظر التجوال لكنها تتهاوى أمام الأعماق السحيقة للإرادة الوطنية وتستطيع الإمبراطوريات أن تستقدم آلاف المصلين والمواكب للتحشيد لكنها لن تستطيع أبدا انتزاع هوية أو محو تاريخ متجذر في وجدان الملايين.
واليوم وبعد مرور ما يقرب من 100 عام على تلك الوقائع المدوية تبدو تونس وكأنها تعيد اكتشاف أصداء ذلك الحدث الجلل في مسارها التاريخي المتجدد.
ورغم أن المعطيات الدولية قد تغيرت جذريا ولم تعد فرنسا هي القوة الكونية العظمى كما لم يعد الصراع الديني هو المحرك المباشر للأحداث العالمية فإن المعركة الروحية والسياسية حول الذاكرة والهوية لا تزال مستمرة بأشكال وتجليات جديدة فالمواجهة لم تعد بين صليب وهلال كما كانت تفترض الأدبيات القديمة بل أضحت صراعا جوهريا بين الذاكرة الوطنية والتطلع للمستقبل وبين دولة تبحث عن استقرار ذاتها وشعب يناضل من أجل ترسيخ معاني العدالة والكرامة وبين سلطات تسعى لانفراد بكتابة التاريخ ومجتمع مصمم على أن يكون الشريك الفاعل في صناعة قدره.
مثلما حاول مؤتمر الإفخارستية إعادة تشكيل الذاكرة الروحية لتونس وإخضاعها لمنطق الهيمنة القديم تشهد البلاد اليوم محاولات متعددة من قوى مختلفة لإعادة هندسة الذاكرة السياسية وتوجيه بوصلة المستقبل.
وكما كان الاستعمار الأجنبي يتذرع بمقولة إن هذه الأرض تابعة له لأن التاريخ الماضي يقف إلى جانبه تردد بعض الأصوات اليوم مقولات مشابهة تفترض ملكيتها للحاضر والمستقبل بناء على احتكار الشريعة أو الحداثة أو التحديث. يظل الصراع هو الصراع ذاته في معناه العميق وإن تغيرت المفردات والأساليب والجهات المتصارعة على خشبة المسرح.
العبرة الكبرى والدرس الخالد الذي خلفه مؤتمر عام 1930 يتمثل في أن الأمم لا تهزم ولا تسقط أمام أعدائها الخارجيين فقط بل تبدأ هزيمتها الفعلية عندما تصاب بداء النسيان وتفقد القدرة على تخيل مستقبلها واستشراف معالم كرامتها أو حين تستسلم وتترك الآخرين يكتبون تاريخها بالنيابة عنها.
تونس التي تمكنت بأصالتها ونضال رجالها ونسائها من صد محاولة كبرى لإعادة هندسة روحها ووجدانها في ثلاثينيات القرن الماضي تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية لحماية مستقبلها من أي محاولات جديدة لإعادة تشكيله بطرق صريحة أو خفية فالتاريخ ليس مجرد متحف للأحجار الميتة والذكريات المنقضية بل هو ساحة صراع رمزية مستمرة ومن فرط في رموزه وذاكرته ضاع مصيره وانمحى أثره بين الأمم.
مؤتمر الأفخارستية
2025-10-26
4610 قراءة
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن