مقالات عن: الثورة التونسية

عندما لبست الثورة جبّة الواعظ

2025-10-26 717 قراءة عماد عيساوي
لم تكن تلك السنوات سوى عاصفة من دخانٍ وأسئلةٍ دون أجوبة.
سنوات لبست فيها البلاد جُبّة الواعظ بدل عباءة الدولة، وراح فيها الوطن يلهث خلف كلماتٍ تُقال باسم الله، وتُنفّذ باسم الغنيمة.
كانت الثورة التونسية مثل طفلة خرجت من رحم الحديد والنار، تبحث عن النور، عن وطنٍ جديد، عن عدلٍ يعيد للأرض خصبها وللإنسان كرامته.
لكنها وجدت في طريقها من حمل المصحف كراية حرب، لا ككتاب رحمة.
أطلّ الإسلام السياسي من أبواب المساجد كما لو كان المخلّص المنتظر، فاستيقظت البلاد على أصوات التكبير بدل نداء الفجر، وعلى خطبٍ تَعِدُ بالعدل وهي تزرع الخوف في القلوب.
في تلك اللحظة التاريخية، خُيّل للتونسيين أنهم يحرّرون الوطن من الاستبداد، بينما كانوا يُسلمونه طواعية إلى استبدادٍ من نوعٍ آخر… أشدُّ خفاءً، وأعمق تجذّراً في الوجدان.
تحت شعارات “التوبة” و“الهوية” و“المغفرة”، صعد دعاةٌ جدد إلى المنابر يحملون لغة النار لا النور، فحوّلوا المساجد إلى مصانع لأبناء الغيب، يصنعون فيها الموت باسم الجنة، ويُبرّرون الدم باسم العقيدة.
صار القاتل ثائراً، وصار الشهيد يُدفن دون راية، وصار الخوف يُسمّى "إيماناً".
كانوا يوزّعون الفتاوى كما تُوزّع الخبز، ويُحرّمون الموسيقى، ويكفّرون الفلسفة، ويُفتّشون في وجوه الناس عن الوضوء قبل أن يسألوهم عن الجوع.
لقد جعلوا من الدين سلطةً زمنية، ومن الحزب طريقاً إلى السماء.
تونس، تلك التي علّمت العرب معنى الدولة المدنية منذ قرطاج، كادت تُختزل في فتوى، وتُختطف من عقلها إلى خيم الدروشة.
وُلدت في تلك السنوات "غزوات" لم تعرفها كتب التاريخ:
غزوة الكلية، غزوة السفارة، غزوة الفن والعقل.
غزوات تُعلن الحرب على كل ما له رائحة فكر أو فن أو حرية.
دخلوا الجامعات كأنهم يدخلون معارك الفتح، يوزّعون النقاب كراية، ويكفّرون الأستاذ لأنه قال إن العقل هو أول الوحي.
وحين سُئلوا عن التنمية، أجابوا بالجنة.
وحين سُئلوا عن التشغيل، تحدّثوا عن الزكاة.
وحين سُئلوا عن الدولة، قالوا “الخلافة”، كأننا لم نغادر القرن السابع.
في تلك السنوات، كان الوطن يُدار من منابر المساجد لا من مجلس الوزراء.
وكان الخطاب الديني أقوى من الدستور.
بلادٌ خرجت تبحث عن الديمقراطية، فوجدت نفسها في مزادٍ بين الله والشيطان.
أما الدولة، فكانت تُراقب المشهد ببلادةٍ مريبة.
حكومةٌ تصمت باسم الحرية، ورئاسةٌ تتردّد باسم التوافق، وأجهزةٌ أُصيبت بالشلل بين حماية الأمن واحترام الدين.
أما النخبة، فكانت تُغنّي في مقاهي العاصمة عن “ربيعٍ عربيٍّ مزهر” فيما كانت الجبال تُحوَّل إلى مقابر للجنود، والحدود تُستباح من قبل الدواعش.
لقد غُزيت تونس من الداخل لا بالدبابات، بل بالخطب والفتاوى.
كان الجهل يتسلّل إلى العقول كالدخان في الغرف المغلقة.
وانهارت هيبة العلم حين صار الداعية يتحدث عن الفيزياء والاقتصاد والجينات وكأنه خبير من السماء.
في تلك اللحظة، أدركت البلاد أن “الثورة” قد اختُطفت من أيدي من حلموا بها، إلى أيدي من أرادوا استغلالها.
بينما كانت الأسواق تغصّ بالبطالة والغلاء، كانت الخطب تُحدّث الناس عن عذاب القبر.
وحين جفّت السواقي وانهارت المؤسسات، تحدّثوا عن الصبر والثواب.
لقد حوّلوا الفقر إلى فضيلة، والجهل إلى هوية، والفشل إلى قَدَرٍ إلهي.
تونس التي كانت تصنع الزيت والكتاب، صارت تُصدّر شبابها إلى المقابر السورية والليبية، وإلى السجون الأوروبية.
من فقد لقمة العيش، وجد في الدين خلاصاً زائفاً.
ومن فقد الإيمان بالدولة، بايع الجماعة.
لقد عرف الإسلام السياسي كيف يملأ فراغ الدولة، لكنه لم يعرف كيف يبنيها.
ملأ الشوارع بالشعارات، لكنه ترك المصانع خاوية، والمدارس فقيرة، والعقول عطشى
تونس ليست بلداً صغيراً كما يتوهم البعض.
إنها فكرة تاريخية وذاكرة حضارية تمتد من قرطاج إلى الزيتونة، ومن بورقيبة إلى ابن خلدون.
هي بلدٌ كتب على نفسه أن يعيش دائماً بين سيف الدين وسيف الدولة، وأن يتعلّم من كل عاصفة درسه الخاص.
حين حكمها المستبد، قاومته بالوعي.
وحين حكمها الواعظ، قاومته بالعقل.
وحين حاولوا اغتيالها، نهضت من الرماد كالعنقاء.
لم يفهموا أن تونس لا تُقاد بالوحي، بل بالقانون.
وأن الله لا يحتاج إلى حزب، ولا إلى جهاز انتخابي، ولا إلى خطيبٍ يصرخ في الناس ليذكّرهم بوجوده.
الله في هذه البلاد يسكن في الزيتونة وفي النخلة وفي أغاني الصغار عند البحر.
لا في المنابر التي صارت تُصدر صكوك الغفران.

لقد دفعت تونس ثمن حريتها دماً ودموعاً، لكنها خرجت من التجربة أكثر وعياً.
تعلمت أن الثورة بلا عقل تتحوّل إلى فتنة، وأن الحرية بلا دولة تتحوّل إلى غابة.
اليوم، بعد كل هذا الدخان، بدأ الضوء يتسرّب من جديد.
بدأت البلاد تستعيد لُغتها، وجامعاتها، وصوتها المدني.
لم تعد تسمح أن يُختطف دينها أو يُستغل إيمانها.
لقد فهمت أن السياسة ليست صلاة جماعة، وأن الإيمان لا يُقاس بطول اللحية بل بصدق العمل.
الناس لم يعودوا يبحثون عن من يذكّرهم بالجنة، بل عن من يبني لهم مدرسة ومستشفى وكرامة.
اليوم، حين تنظر تونس إلى تلك السنوات، تراها مثل كابوسٍ جميلٍ في بدايته، مرعبٍ في نهايته.
لقد اكتشفت أن الإسلام السياسي لم يكن سوى قناعٍ دينيٍّ لمطامعٍ دنيوية.
وأن من يرفع راية الله ليحكم الناس، ينتهي دائماً إلى عبادة السلطة لا الله.
تونس اليوم لا تكره الدين، لكنها تكره من احتكره.
لا ترفض الإسلام، لكنها ترفض أن يُختزل في حزبٍ أو شيخٍ أو خطابٍ انتخابي.
تونس اليوم تعرف أن الله أكبر من السياسة، وأكبر من الطائفية، وأكبر من كل من حاول أن يتحدث باسمه.
إنها البلاد التي نجت من حروب الآخرين لأنها تعلّمت أن الإيمان بلا عدلٍ جريمة، وأن الدولة بلا عقلٍ خراب.
هكذا انتهت سنوات الرماد والدمع…
بأن فهمت تونس الدرس العظيم:
أن الثورة التي تلبس جُبّة الواعظ تموت،
أما تلك التي تلبس عقل الفيلسوف، فتبني وطناً لا يموت.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق