(...) يثيـر الحديث عن دور الفلسفـات والأنسـاق الفكريّـة في التنظيـر للعنف والإرهاب تساؤلات جوهريّـة حـارقة حول المعـايير التي تُستخدم للحكم على هذا الفكـر أو ذاك بكونه ينظّـر للعنف أو مسؤولًا عن أفعـال إجراميّـة تُرتكب باسمـه !..
إذا نظرنا إلى الكـانطيّـة والنيتشويّـة نجد أن إيمانويل كانط بفلسفته القـائمة على أخلاقيّـات ”الواجب العقلاني” قد تم استدعـاؤه من قِبَـل أحد جلاّدي النازيّـة لتبريـر أفعالهنحيل هنا على كتاب «إيخمان في القدس» لحنا رندت،، ومع ذلك لم تُحمَّـل الكانطيّـة مسؤولية العنف النازي بل جرى تأويـل فلسفـة كـانط في إطارهـا ّالأكاديمي العاجي كنظرية أخلاقيّـة تخدم بنـاء الدولة الحديثة بمعزل عن الاستخدام السياسي لها ..
أما نيتشه الذي طالما انتُقد بسبب مفـاهيم مثل ”إرادة القـوة” وانتقاداته للمسيحيّـة والأخلاق التقليدية ”أخلاق الضعفاء” فقد استُخدمت أفكـاره من قِـبل النّـازيّـة لتسويـغ سيـاسات القوّة والعنـف،، ورغم ذلك استمر التعامل معه كفيلسـوف متمرّد نـاقد للحضارة الغربيّـة وحامل لبذور ”ما بعد الحداثة” وليس كمنظّر للعنـف !..
هنا يظهر بوضوح كيف يتم تفكيـك النصوص الفلسفية الغربيّـة وإعادة تأطيرهـا تأويليًّـا لتبدو بريئة من مسؤوليّـة العنف الذي يُمـارَس تحت مظلتهـا وبمفرداتهـا، حيث تُفصل عن سياقـاتهـا الدمويّـة وتُحنّط في متاحف الفكر كتحف أثريّـة خـالدة بينمـا تُسحـل نصوصُنـا على أرصفة الإرهـاب سحـلاً بمجرّد تقـاطع لفظي مع خطـاب متطـرّف !..
إنّهم لا يتورّعـون عن تقديـم النّصوص الإسلاميّـة مثل أفكـار/اجتهـادات ابن تيميـة وسيّـد قطب كـنصوص مؤسِّسـة للإرهـاب الدينـي ويُحمِّلـونهـا رأسًـا مسؤوليّـة العنف الذي لجأت إليه بعض الحركات المتشدّدة المتأوِّلة دونمـا أدنى اعتبـار للسياقـات الاجتمـاعية والسيـاسية التي وُظّفت فيها هذه الأفكـار !..
هذا التعامل الانتقـائي يُبرز ازدواجية واضحـة؛ حيث تُفصل الفلسفـات الغربية عن استخدامـاتها العنيفة بينما يُنظر إلى الفكر الإسلامي ككل باعتباره محرضًـا أو على الأقل يحمل في بطونه ما يمهّـد للممـارسات العنفيّـة ..
كما يتضح هذا التحيّـز التأويلــي في التعامل مع طروح مثل تلك التي قدّمهـا توماس هوبز وكارل شميت؛ فهوبـز الذي دعا إلى ضرورة وجود دولة تنينيّـة متغوّلـة تحتكر العنف لضمـان الاستقرار يُنظـر إليه بكل بسـاطة كأحد مؤسّسي الفكر السياسي الحديث لا كمنظّـر للاستبداد ..
أمّـا ”كارل شميت” الذي دافع عن السيـادة المطلقة وحقّ السلطة في اتخاذ قرارات استثنائية خلال الأزمـات ورغم ارتباط أفكاره بالنازيّـة يُعامَـل بصفته منظِّـرًا قانونيًّـا وسياسيًّـا أكثر من كونه داعيـة للعنف ..
فمهمـا تنطّعَت ”فلسفـاتهم” تبقـى في نظرهم ذات سعـة تأويليّـة هـائلة وقابليّـة مزمنـة للتحييـن والتجـاوز، بينما تُقرأ ”نصوصنـا” بمنطق جوهرانـي لاتاريخـي وكأنّهـا سِفـر مغلـق على التفخيخ والتفجيـر، دون أدنى محـاولة لفهمهـا سيـاقيًّـا ضمن نسقهـا المعرفـي الذي وُلِدت فيه ..
وهذا التمييـز المُغرض يظهر بجلاء في التعامل مع الفوضويّـة أو الفكر الأنـاركي؛ فرغم أن بعض التيارات الفوضويّـة قد دعت إلى استخدام العنف المباشر ضد الدولة إلا أنها وُصفت بأنهـا حركات ”لادولتيّـة” أو ”لاسلطويّـة” بل و ”تحرّريّـة” عوض أن تُتهم بأنهـا منظّرة للإرهـاب،، وهنا تظهـر نوازع تخفيـف الوصم عن الأفكار الغربيّـة وإعـادة تبيِئتـهـا ضمن سيـاقات فلسفية أو اجتماعيّـة تهوِّن من مسؤوليتهـا عن العنف، و هذه الانتقـائيّـة لا علاقة لها بالعلميّـة والموضوعيّـة التي دأب الغرب على ادّعـائها والمزايدة علينـا بهـا، إنّهـا ازدواجية العقل الغربـي الذي يتعفّف عن ذكـر مثـالبـه خدمـةً لمصـالح إيديولوجيّـة وسيـاسيّـة تجعل من الفكر الإسلامي كبش فداء لتبريـر قضايـا أعقـد من أن تُختزل في النصوص الفكرية وحدهـا !..
ولعلّـه من المهمّ أن نشـيـر هنـا إلى أنّ هذا الغـرب المغـالي في ”تشريــق الشّـرق” لا يخشـى النصوص بحدّ ذاتهـا بقدر خشيتـه من فتـح باب قراءتهـا خـارج سيطرتـه وبغيـر أدواته المنهجيّـة فينهـار صنـم التفوّق الحضـاري الذي بنـاه على أشلاء ”الخـر” !..
*نص مقتطف من كتـاب «النسـق الثقـافي التونسـي بين الإسلاميّـة والاستعماريّـة (جدليّـة الانتمـاء والهيمنة من الهـاجس المحلي إلى الشـاغل الأممي)»
التحيّــز التأويــلــي .. سيّـد قطب ”مفكّـر متطرّف” وهوبـز ”مفكّـر سيـاسي” !
2025-10-25
635 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن