مقالات عن: المسجد

“قومـوا إلى صلاة الـصبـــــح” !

2025-10-24 644 قراءة صابر النفزاوي
1
كثيـرًا ما يتردّد على المنـابر صوت الإمام وهو يحثّ الناس على الصلاة في المسجد ولا سيما صلاة الصبح مُرجِعـا عزوفهم عنها إلى ضعف الإيمان وغلبة الهوى وتزيين الشيطان؛ غير أنّ هذا التفسير -على ما فيه من وجاهة روحيّة في ظاهره- يغدو اختزالًا فادحًا للواقع حين يُسقط من اعتباره السياق السياسي والاجتماعي الذي حاصر المصلَّيات وأفرغ رسالتها وحوّل الشعيرة الجماعية إلى مجرّد #طقـس_مؤمَّـم أي مراقَـب من قِبل السلطة !..

فخطيبنا المنبري ”وهو يصدع بالحق” لا يخاطب القلوب ضمن فضاء حرّ إنّمـا يوجّه خطابًا أخلاقيًّـا في بيئة مكلّسـة بـالقهر والرقـابة؛ إذ بات المسجد -في العديد من البلدان ”الإسلامية”- فضاءً “مُؤمنَنًـا” أو بعبارة أدقّ ”#مُبَولَسًـا” تخضع أنشطته وتوجهاته لمراقبةٍ دقيقة، وتُلاحَق فيه علامات التديّن الشبابي باعتبارها قرائن على “التطرّف المحتمل”،، في مثل هذا السياق المرَضي يصبح الوعظ الأخلاقي المنفصل عن الواقع نوعًا من التواطؤ الصّـامت مع السلطة ولو بغير قصد، لأنه يُحمّل المأموم وحده وزر القعود ويبرّئ البنيـة التي كبّلت إرادته وشوّهت علاقته بربّه ..

وتَحضرني هنا شهادة مكثّفة بالغة الدّلالة لصديقتنا المحامية إيناس حرّاث، تقول الحرّاث :

«نُبت شخصا لو فتح مسابقة لاختيار أكثر مواطن تفاديا للمشاكل و لإزعاج السلطات و التزاما بالجدار لفاز بسهولة.
لا مواقع تواصل ، لا أصدقاء ، لا نشاطات مثيرة للشبهات من اي نوع ..
لا تعبير عن مواقف ضد النظام بأي شكل كان ..
من البيت إلى الجامع ومن الجامع إلى البيت.
و مع ذلك تم الاحتفاظ به....
صدقا لم أفهم السبب ...
السماع لدى باحث البداية بدا لي ارشاديا بحتا و لكن النيابة حين مراجعتها اذنت بالاحتفاظ.
و لم افهم ما الاشكال او بما هو متهم» !..

ولمّا كان ذلك كذلك ..

لا يمكن فهم قول الإمـام “قومـوا إلى صلاة الصبح” فـهمًا بريئًـا أو مباشرًا،، فالنداء يتجاوز وعظه الظاهري إلى معنى سياسي مضمر؛ هل يدعو الإمام المؤمنين إلى مجاهدة النفس فحسب ؟!! أم أنّه -من حيث لا يشعر- يدعوهم إلى مواجهة نظام يخشى يقظة الفجـر ؟!!..

إنّ اختزال الظواهر الدينية في بُعدها الفردي -وهو ما تمارسه المنظومة الوعظية الرسمية- ليس إلاّ صورة من صور العلمنة المقنّعـة التي تفصل بين الدين كضمير وبين الدين كقوةٍ اجتماعية/تحرّرية، فحين يُعالج الخطيب فتورَ الناس في أداء الشعائر كأنّه “داء ذاتـي” لا كعرض لتفريغ سياسيّ مقصود فإنه يُعيد إنتاج منطق ”الدولة الحديثة” التي ترى في الإيمان شأنًـا خاصًّا منزوعًا من دلالته الجماعية والرساليّـة ..

وهكذا يغدو الخطاب الديني في المنبر -في أحسن الأحوال- تهذيبًا للنفس داخل قفص النظام ويتكرّس دور الإمام بصفته موظّفًا يردّد ما “ينبغـي قوله” ليبرئ ذمّته الأخلاقيّة من غير أن يلامس بنيـة القهـر نفسها !..

لكنّ المفـارقة الكبرى هنا أنّ هذا الإمام/الخطيب -بوعيه أو بغير وعيه- يوقظ في نفوس بعض المصلّين نداءً آخر أكثر خطورة ومفصليّة؛ فإذا كان الذهاب إلى المسجد في زمن المنع شكلًا من أشكال العصيان فإنّ الصلاة تصبح فعل مقـاومة ويغدو الحفاظ على شعيرة الجمـاعة تحدّيًا سياسيًّـا مقنّعًا في هيئة عبادة !..

قصارى القول وصفوته ..

لا يمكن أن تُختزل الكلمة الوعظيّـة في النية الطيبـة لأنها -في واقع مسيّس حتى النخاع- إمّا أن تكون تواطؤا ناعمًا مع التسلّط على الضمير أو إشارة خفية إلى العصيان .. والإمام وهو يرفع صوته بالتحريض ”السّـافر” على صلاة الفجر يقف في تلك المنطقة الرمـادية بين العفويّة والتواطؤ والتمرد !!!..

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-10-25
التناول بمحورية الفرد
مقال جبد
بعض الخلل في تناولات الواقع، اعتماد محورية الفرد والعينة، مما يجعل النظر مركزا على التفاصيل والافراد، ثم بنتهي الى تحميلهم المسؤولية عن الافعال في جهة الإنجاز والتقصير

وهذا تناول قاصر، لان الواقع الحديث لا يؤثر فيه الفرد الا في مساحة ضيقة ونتائجية بالضرورة لاثر مفاعيل سابقة
الواقع الحديث تؤثر فيه المنظومات

لذلك فهم الواقع يجب ان ينطلق منذ محورية المنظومات التي تؤطر وتوجه الناس ومنها منظومات التشكيل الذهني بدوائرهاةااقلاث تعليم وتثقيف واعلام، عوض التعامل بمحورية الفرد

علينا القول ان التعامل بمحورية الفرد كما يفعل المشتغلون بالاسلاميات (وعاظ، علماء...) ، عمليا يقدم خدمة لسادة الواقع لانه يكرس الموجود ولايعمل على تغييره في الاساس، ويشوش عن فهمه في مستوى نموذجه التصوري

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق