* ليست المـرّة الأولى التي يعترضني فيهـا مقـال يدّعـي فيه صاحبُـه أنّ الترجمة العربيّـة المجترحة من قبل ”مشاعل عبد العزيز الهاجري” لعنوان كتاب الكندي آلان دونو ”نظــام التفــاهـة” لا تعكس مضمونه، قد يبدو هذا الادّعـاء وجيهًـا إذا اقتصرنا على الترجمة الحرفية لكلمة "Mediocratie"، لكن عند التعمّـق في فحوى الأثـر وسيـاقه الثقافـي نجد أنّ اختيار هذه العنونـة المعرّبـة ليس فقط مبرّرًا بل يعبّـر بدقة عن جوهر الرسالة التي أراد الكاتب تمريرهـا !..
كلمة "Mediocratie" في الأصل الفرنسي أو "Mediocracy" في الإنليزية تعني نظامًا يهيمن عليه ”أصحاب المستوى المتوسّط” وتسود فيه الرداءة أي يُقصى فيه التميّـز والإبداع لصالح معايير متدنّيـة تُعلي من شأن الأشخاص والأنظمة التي تفتقر إلى الكفـاءة والعمـق، ويقدّم ”دونو” نقدًا شاملًا لكيفية هيمنة هذه القيم في الأنظمة الحديثة، وهو ما يجعل العنوان المترجم إلى "نظام التفاهة" متماشيًا مع الأدلوجـة ما بعد الحداثيّـة للكتاب، فالترجمة في النهـاية ليست عملية نقل حرفي لي للكلمات من لغة إلى أخرى بل هي بالأساس جهد تأويـلي يحاول تقديـم النص الأصلي بشكل يجعله قريبًا ومفهومًا لدى القارئ داخل سيـاقات اللغة المستهدفة،، وفي السياق العربي تنطوي كلمـة ”التّفـاهـة” على أبعـاد نقدية وقيميّـة مباشرة يمكنها أن تُحيل بتكثيف على الأفكار التي يناقشها الكاتب، خاصة في ما يتعلق بسيادة الرداءة واستبعاد النخب المثقفة والمبدعة، فلو تمّت ترجمـة العنوان حرفيًا ليكون ”نظام التوسّط” لكان سيبدو غامضًـا أو أقل تأثيـرًا على القارئ العربي الذي ربمّـا لا يدرك على الفور الدلالات النقدية العميقـة التي تحملها الكلمة في سياقهـا اللغوي الفرنسي !..
ينطلق الكتاب من وصف ظواهر اجتماعية أو سياسية سطحية ليقدّم في النهـاية تحليلًا لا يخلو من عمـق لميكـانيزمـات عمل الأنظمـة والمؤسسـات في تعزيـز مكـانة الأشخاص الذين يفتقرون إلى الكفاءة على حساب من يملكون المؤهّلات والخبرة، فهو بهذا المعنـى دعوة إلى فهم كيفيّـة تحوّل الرداءة إلى نظام مستدام يقصـي الجودة والإبداع، هذه الرؤية النقدية التي يقدمها ”دونو” تتوافق تمامًـا مع الدلالة الكـامنة داخل كلمة «التفـاهـة» في الثقافة العربيّـة والتي تعبر عن ”الرداءة” بمعناها القيمي والنقدي ..
من الضّروري إذن أن ندرك أن الترجمـة تعتمد دائمًـا على فهم الروح العـامة للنص الفكري ومحـاولة تبليغهـا بطريقة تتناسب مع الخلفية الثقافية للجمهور المستهدف، فالقارئ العربي أكثر ارتباطًـا بمفردة ’’التفاهـة” التي تنقل رسالة الكتاب بوضوح مقارنة بترجمات أخرى قد تكون دقيقـة لغويًـا لكنها تفتقـر إلى البعد التأويلـي اللازم،، لذلك يقال إنّ الترجمـة ”قُبلـة من وراء الزجـاج” فهذا الزجاج هو زجــــــاج التأويــل !..
وبالتّـالي فإنّ القول إنّ الكتـاب لا يتحدّث عن ”التفاهـة” أصلاً يُغفل حقيقـة أنّ التفـاهة المُشـار إليها في العنوان ليست وصفيّـة بقدر ماهي مفهـوم شـامل يتعلّـق بالطريقـة التي تُبنى بها الأنظمة الحديثـة وتعمل وفقهـا، أي إنّها ليست انحرافًا طارئًـا/ظرفيًّـا/عـابرًا بل هيمنة ثقافية واجتماعيّـة تكتسح المجتمعـات اكتسـاحًـا، وهو ما يجعل العنوان العربي «نظام التفاهـة» اختيارًا ذكيًّـا وتصويـرًا عالي الدقّـة لجوهر النص الأصلي !..
وبالاستمرار في هذا لعبـة التأويـل هذه يمكننا أن نتساءل إن كان بالإمكـان اعتماد ترجمة أكثر جرأة تُضفـي بُعدًا أعمـق للعنوان في السياقات الإسلاميّـة، وهنـا تبرز كلمة ”الرويبضــات” الواردة في الحديث النبوي :
«سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» ..
إنّ هذه الكلمـة تضيف إلى المعنى القيمي والنقدي للفظ ”التفـاهة” بُعدًا إسلاميًّـا يعبّـر عن طبيعة الأزمة في سياقها الأوسَـع حيث يسود ”المتوسّطون’’ أو ”التّـافهون” الفضـاء العام ويُقصـى الأكفـاء والعلمـاء وأصحاب الفكـر، وبهذا المعنى تصبح عبارة «نظام الرويبضات» ترجمة تأويليّـة دقيقة معرفيا ومتوائمـة في الوقت نفسه مع الخلفية الثقافيّـة الإسلاميّـة حيث يُشـار إلى ”سطوة التّـافهيـن” لا كأزمة ثقافية واجتماعيّـة فحسب بل كذلك باعتبارها إشكاليّـة أخلاقيّـة وحضاريّـة ..
ما يعني أنّ المغـامرة بتبنّي لفظ ”الرويبضات” لتعريب عنوان الكتاب المثير للجدل من شأنه أن
يدفع المتلقي المسلم إلى إعـادة التفكيـر في منظومة القيم المجتمعيّـة الحديثة من منظور نقدي إسلامـي !..
هل كانت ترجمـة «نظـــام التّفـاهــــة» خيـارًا تأويليًّـا موفَّقًـــا ؟!
2025-10-24
666 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن