مقالات عن: فوزي مسعود

الساعات التي تقاوم الماء والسياسي الذي لا يتقن العربية

2025-07-29 1042 قراءة فوزي مسعود
أذكر منذ سنوات حينما كنت أمرّ في بعض أسواق العاصمة تونس، كنت أجد بائعا وسط الزحام يمسك ساعات يصيح مروّجا لها بين المارّة، وكان يستعمل طريقة متميزة حيث كان يقول عن الساعات التي يبيعها في ما معناه: إنها تقاوم الماء حتى لعمق 15 متر
وكان يصيح ويؤكد على 15 متر تحديدا، أي ليس عمقَ عشرة أمتار مثلا، أو حتى مترًا واحدًا
هو يريد أن ينقل للناس أن مقاومة الماء 15 متر أفضل من مقاومته بعمق متر واحد
وكان المارّة كما يبدو يقدّرون هذه "الكفاءة" التي تتميز بها تلك الساعات

لكني كلما شاهدته يصيح مرددا كلامه، كنت أتساءل عن جدوى هذه الكفاءة أساسا، لأن الأرجح أنه لا أحد من المارة سيغطس تحت الماء مترا واحد فضلا عن أن يغطس 15 مترا

نحن إزاء نموذج لمغالطة تجد قبولًا لدى عامة الناس، وهي تقوم على اعتماد كفاءة أو صفة إيجابية في غير مجالها. وبمعنى أدق: اعتماد الكفاءة في المطلق، رغم أنها لا تُعتمد إلا في سياقها الخاص.

-----------

رأيت كاتبا تونسيا ينشر مقالا طويلا يتحدث في جزء كبير منه عن خطأ شقيق الرئيس في كتابة كلمة "هذه"، وقد أسرف في التنقيب حول ذلك جِيئةً وذَهابًا، ثم انتهى لخلاصة أن خطأ هذا المغالب السياسي في رسم تلك الكلمة هو دليل عدم تمكنه من اللغة العربية، وهو يريد أن يصل لتصور مفاده أنه سجل نصرا ما ضد شقيق الرئيس ومن هناك ضد الرئيس المنقلب

وقد رأيت كذلك أحدهم كتب نصّا حول رئيس حركة النهضة المسجون (طبيب)، فكتب مقالا طويلا يعدّد فيه شهاداته العلمية ونجاحاته المهنية، وهو الأرجح يريد بذلك مناصرته

-------------

مافعله هذان الكاتبان، مثله مثل ما فعله بائع الساعات، إذ جميعهم يروج لكفاءة في غير محلها، ثم يغالط بها الناس، لكنه بالمقابل يترك الموضوع الرئيسي من دون تناول

صراعنا مع الرئيس وشقيقه مجاله السياسة وكفاءاتها ومغالباتها وليس مجالها التمكن من اللغة العربية، أي ما يهمنا هو الفاعلية والجرأة وغيرها من أخلاق القوة مما ذكرته في مناسبات سابقة، وفي هذه الكفاءة تحديدا فإن الرئيس وشقيقة قد انتصرا، لا يغير من ذلك إن كان شقيق الرئيس لا يتقن العربية وغير العربية، ولا يغير ذلك إن كان المعارضون يتقنون العربية وغير العربية

أما الذي يدافع عن مسؤول النهضة المسجون باستحضار شهاداته العلمية، فإنه يقول كلاما يمثل جوابا عن سؤال لم يطرح أصلا، لأن النزاع ليس حول المستوى العلمي لقادة النهضة، وإنما الموضوع مغالبة سياسية انتصر فيها المنقلب، هذا صراع يجب أن ينظر فيه لكفاءات المغالبة وأخلاق القوة مما يؤدي للنصر السياسي وتغيير الواقع
إذن فإن كان لا بد من الحديث عن زعماء النهضة واستحضار إنجازاتهم في سياقنا الآن، فلْتحدثني بما لهم وماذا يملكون من صفات المغالبات وأخلاق القوة مما يعنينا وجوده وغيابه مثل: الفاعلية، التخطيط، الجرأة، الثبات على المبدإ، الإقدام

---------------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق