مقالات عن: فوزي مسعود

الفقر والطفولة الضائعة .......

2025-07-17 998 قراءة فوزي مسعود
اليوم بُعيْد منتصف النهار وأنا في الشغل بمكتبي، رنّ جرس الباب، ذهبت وفتحت للطّارق، فوجدت فتاة في أول الشباب، لعلها في الخامسة عشرة من العمر لكنها كانت كاملة القوام، وهي كما يبدو تبحث عن شغل
بادرتها بالقول: تفضّلي، فأجابت بخجل جلب انتباهي: هل توجد امرأة
قلت لها: لا، لا توجد لدينا امرأة، ماذا تريدين ؟

فردّت وقد ازداد خجلها كأنها فتاة صغيرة، تشبّك يديها وتتمايل تمايل الفتيات الصغيرات اللاتي يُقبلن بدلال على آبائهن طلبا لأمر ما، إلا أنها اليوم فتاة تطلّ على مرحلة الشباب وتغادر الطفولة وتتحدث مع غير أبيها لكنها لم تغادر بعدُ طفولتها
ثم قالت لي: عمّي، أريد الحديث مع امرأة، لكن هل يمكن أن أحدثك أنت

قلت لها تفضلي، فقالت لي: أنا جائعة وأريد أكلا ............

---------

استرجعت ما أعرفه من حالات أخرى سابقا عن فتيات ونساء يأتين كل مرة يطرقْن الباب مثلما طرقن على الأرجح أبواب مكاتب أخرى من تلك المنتشرة بأرجاء مدينة "إريانة"

إنهن فتيات ونسوة تُركن لوحدهن يخرجن بحثا عن العمل، يتنقلّن نحو مختلف المناطق الصناعية بالعاصمة حيث المصانع التي إن انتدبتهن فيكون شغلا يقرب للعبودية، وفي الغالب لا يتم قبولهن لكثرة طلبات الشغل وقلة العروض
لذلك تواصل بعضهن الأخريات البحث عن عمل تنظيف في المكاتب، ولطالما كانت إحداهن من هؤلاء تترجّاك أن تنظف لك المكتب حتى مرة واحدة

----------

يمكنك تصورّ مدى الإحتياج الذي عليه مثل هؤلاء الفتيات والنّسوة، وهي الحاجة التي تجعل إحداهن تخرج منذ الصباح الباكر ثم ينتهي بها الحال للفشل في مسعاها من دون أي عمل

لك أن تتصور الحالة والانكسار الذي عليه هذه الفتيات، ولك أن تتصور مدى الهشاشة النفسية لديهن مما يجعلهن فريسة للوقوع في وضعيات سيئة

الفرد عموما حينما يفشل في أمر ثم يتمادى فشله وتُصدّ حاجاته وتُغلق الأبواب في وجهه، وحينما يصاب بالإحباط، تكون نتيجة ذلك أنه ترتخي دفاعاته الذهنية وتضعف عزيمته
لذلك عموما، باستثناء من عصمه الله من ذوي العزائم القوية والتكوين العقدي الصلب، ينكشف الفرد وتستغرقه الإنحرافات والإغراءات والسقطات فترة الفشل والهزائم

---------

لك أن تتصور كم من فتاة راودوها عن نفسها وهي المحتاجة للعمل بل المحتاجة لأكل يسدّ رمقها، لك أن تتصور كم من فتاة وقع إسقاطها باستغلال واقعها المادي البائس وحاجتها للشغل والمال، فصيّروها منحرفة

أقول هذا الكلام وليس لدي أي حلّ لهذه المشاكل، لكنني مبتئس أشد الابتئاس، وقد تقطّعت نياط قلبي لما رأيت هذه الفتاة، ولسبب ما ولما رأيتُ خجلها وهي تكلمني، قفزت إلى ذهني صور ابنتيّ، خاصة لما رأيت براءتها وأنها مازالت تقرب للطفولة، فأي ظلم تتحمله هذه المسكينة
وأي وزر نتحمله كي نترك مثل هؤلاء الفتيات الأطفال يخرجن بحثا عن العمل

---------
(*) الذين مازالو ينتظرون نهاية القصة يريدون معرفة ماذا فعلت مع الفتاة، أقول لهم: لقد أعطيتها ما تيسر، رغم ان هذا ليس هو الموضوع المهم

--------------------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق