قرأت أخيراً مرثية رائعة دبّجها يراع صديقنا القديم وزميلنا الأستاذ علي الشابي هي ولا مبالغة معلقة من معلقات الشعر الفصيح الذي افتقدناه عند أغلب الشعراء اليوم. ولا أريد أن أعلق عليها بأكثر من تعليقين: أولا، أني قبل أن أقرأها بأيام كنت أتابع ما كتبه الأديب اللبناني شربل داغر صاحب جائزة هذا العام لأحد بنوك المال عندنا بتونس يطلق عليها اسم "جائزة أبو القاسم الشابي".
وأثارت هذه الجائزة ثائرة غير واحد من الكتاب والشعراء التونسيين لأنها خرجت من دائرتهم إلى أجنبي وإن هو عربي من لبنان وشاعر هو نفسه ومترجم وروائي وناقد معروف.
تابعته في مقالة أخيرة له لعلها من آخر ما نشره قبل الحصول على الجائزة.
ولأول عنوانها توقعت أنه قد يكون استحق التكريم أو منحت له الجائزة لتنويهه في المقالة - أو لنقل كما يريد هو الدراسة - بالشابي كشاعر من جيل الأوائل في العالم العربي، الذي شق إلى طريق الخروج عن النسق القديم التقليدي في (شعرية القصيدة العربية) وإلى ما تطور الأمر إليه بعد ذلك، من نزعته تلك، نحو الرومانسية والتحرر من عمود الشعر القائم - بتقدير الكاتب - على مفاهيم لا سبيل لتطور الشعر العربي الالتزام بها لتجديد نسقه ومرجعياته على غرار الشعر في اللغات الحية، كالفرنسية أو الإنكليزية أو الإسبانية، التي تأثرت بغيرها في الثقافة والُّرؤى وحرية التعبير، دون التقليد الديني والاجتماعي أو اللغوي للاستمرار في البقاء وكسب الرهان في عالم أصبح كل شيء فيه قابل للانفصال عن القديم والموروث.
ويركز الكاتب في طوايا دراسته لشعرية القصيدة العربية على النسق الحثيث الذي مارسه شعراء أبوللو بمصر والمهجر بالأمريكيتين ومن نحا نحوهم بهجر البحور العروضية والاقتصار على التفعيلة وهجرها أخيرا إلى شعر النثر المجرد من القافية إلا المَوْسَقة الداخلية، فبات شعر الخليل مهجورا تماما عند الشعراء المعاصرين - ويضرب بنفسه مثلا - ببحوره التامة والمجزوءة وتفعيلاته على اختلافها. فسقط كل شيء ينتمي إلى القصيدة العروضية التي سادت في تقديره أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً وبقيت معزولة هي ونقادها في العقود الأخيرة بفضل شبه الانفتاح، وليس بعدُ الانفتاح الكامل لشعرية القصيدة العربية بمختلف أسمائها المستجدة، كالهايكو أو القصيدة النثرية أو «القصيدة بالنثر».
ويخلص داغر للتبشير بأطروحاته إلى القول: «فالقصيدة بالنثر تلتقي بقواعد الشعر التقليدية التقاءات متباينة: تتباعد تماماً حتى القطيعة في مستوى الوزن، فيما تبدو أكثر غنى وتنوعاً في المستويات الأخرى. فلو اتبعَ الدارسُ معاينة القصيدة بالنثر، في عدَّتها البلاغية، وفي أشكال بنائها النحوي، وفي تعدد «موضوعاتها»، ومقامات القول فيها، لوجدَها أكثر اتساعاً وتعدّداً وتنوّعاً مِمّا هي عليه أبنية القصيدة العروضية كما التفعيلية. بل يمكن القول إن القصيدة بالنثر أبدلتْ البلاغة القديمة، وجعلتْ من الخيال، ومن الصورة خصوصاً، شكلاً يقترب بالقصيدة - لا بوصفها حلية بلاغية - من البناء الجمالي الخالص.
ثم يقول وهو في غاية الارتياح لما يقرره: «ما لا نتحقق منه كفاية هو أن هذه القصيدة فصلتْ تماماً بين الشعر والنظم، وبين الشعر والقصيدة، ما يُحسب لها؛ وبات هذا قيمةً مزيدة للشعر، وليس تعدياً عليه. فما كان يحددُه «العمود» والخطاب البلاغي والنقدي القديم للشعر والقصيدة والشعرية لم يعد مستساغاً، ولا مقبولًا من شعراء هذه القصيدة وناقدِيها، وأفقد بالتالي الهالة القديمة، ومشروعيتها بالتالي: لم تعد العلامات القديمة «شغَّالة» في مجموعها، حتى وإن لم تحظَ بعدُ القصيدة بالنثر بدرسٍ مستوفٍ لها. ففي نصوصها ما أبطلَ الشعرية المعهودة، وإن لم يُتحْ بعد لدارسِيها ومنظرِيها استخلاص هذه الشعرية المستجدة.».
فكأنه دون أن يشعر يقارن بين بلاغة وبلاغة وشعر فصيح بشعر بغير الفصحى العروضية بطبعها وبنيتها النحوية. وتفطّن ابن خلدون، وهو من قديم من تكلموا عن شعر مضر وشعر غيرهم من أصحاب اللهجات. ولم ينكر لهم أوزانا بغير العروض الخليلي ولا بلاغة غير بلاغة العرب الأقحاح.
ولا نريد أن نطيل أكثر في هذا التعليق. فقط نختمه بإعجابنا بعمودية القصيدة موضوع حديثنا، لأن صاحبها الدكتور علي الشابي كأنما أحيا نسقا أفْلست بسببه لغتنا المدرسية الحديثة منذ الاستقلال، لأن سياساتنا الأدبية كانت تقودها أيد متشبّعة بغير العربية من ثقافة الاستعمار فأفْنت ينابيعها في التشبه بما أورثتْنا إيّاه الهيمنة الفرنسية. وأنه لو تحامل أحدٌ لمنع الجائزة مَبرّة لصاحب اسم الجائزة في هذه الدراسة لما جاوز التقدير.
أما التعليق الثاني فهو اعتباري آخر. فقصيدة (بين الأمس واليوم) التي أنشأها الأستاذ علي الشابي سنة ٢٠٢١ في أربعينية وفاة صديقه الدقاشي المهندس عامر الحرشاني - رحمه الله - المعروف بقيمته العلمية دوليا في ميدان المياه، يورد في آخرها أبياتا ضمّنها مواقف له سياسية (كأنّ المرحوم يشاطره فيها!) من الثورة وما جاء بعدها من نظام وصَفه بشكل متشائم بشأن مآله ومناقض تماما لكل ما سبقه من نظام منذ الاستقلال إلى أيامه بعد سقوط المخلوع، المتوزّر هو في عهده، بقيام ثورة الخراب والظلمة كما يسميها.
فطابع المدح والهجاء الشعري على النمط القرآني الذي ذمه الله في قوله تعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون) واضح. علما وأن الآية جاءت نفيا للشعر أن يكون من خُلق النبيء صلى الله عليه وسلم وذم للشعراء الذين تصدّوا لهجائه والجملة فيها (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) «مثّلت - كما يقول الشيخ ابن عاشور - حال الشعراء بحال الهائمين في أودية كثيرة مختلفة ؛ لأن الشعراء يقولون في فنون من الشعر من هجاء واعتداء على أعراض الناس (...) ومدح من يمدحونه رغبة في عطائه وإن كان لا يستحق المدح، وذم من يمنعهم وإن كان من أهل الفضل، وربما ذموا من كانوا يمدحونه، ومدحوا من سبق لهم ذمه». فمثّل حال الشعراء بحال الإبل الراعية في الأودية متحيرة؛ لأن الشعراء في حرص على القول لاختلاب النفوس».
وللطرافة يروي أنه اندس بعض المزاحين في زمرة الشعراء عند بعض الخلفاء فعرف الحاجب الشعراء وأنكر هذا الذي اندس فيهم فقال له : هؤلاء الشعراء وأنت من الشعراء ؟ قال : بل أنا من الغاوين! فاستطرفها.
وشفع القرآن مذمتهم هذه بمذمة الكذب لأن العرب يتمادحون بالصدق ويعيّرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي، فإن كان الشعر كذبا لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح وإن كان عليه قرينة كان كذبا معتذرا عنه فكان غير محمود. وحال النبي غير حال الشعراء فإنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا ولا يصانع ولا يأتي بما يضلل الأفهام.
فالدين كالسياسة كلاهما سلطة ومن يواجه السلطة تواجهه بمثل ما واجه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
والشعر والسياسة كالشعر والدين. وكان المخلوع بتخيّر رجالاته بمقاس أخلاقه وأغلبهم لم يكونوا من أفاضل أصحاب الاستحقاق.
فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغض منه، واستثناء (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) إلخ... من عموم الشعراء، أي من حكم ذمهم. وبهذا الاستثناء تعين أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
قال الشيخ ابن عاشور: «وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة ، وحالة مأذونة، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعرا ولكن لما حف به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر باب قبول ومدح فحقّ على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه. وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: وانتصروا من بعد ما ظلموا، وإلى الحالة المأذونة قوله: (وعملوا الصالحات). وكيف وقد أثنى النبيء صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصت أصحابه كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة، على أنه أذن لحسّان في مهاجاة المشركين وقال له: كلامك أشد عليهم من وقع النبل.. وقال له: قل ومعك روح القدس.
وهذا لا يخفى عن وزير شؤون دينية سابق. ويكفي أن تقرا النصف الأخير من القصيدة حتى تقف على ما نقصد من الهجاء فيها المذمم عند أفراد السلطة كحال المشركين وشعرائهم لا كحال من انتصروا من بعد ما ظلموا وهم من أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصار للنبيء صلى الله عليه وسلم (...) وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت ومن أسلم من بعد من العرب مثل لبيد ، وكعب بن زهير..
يقول شاعرنا في ذم العهد اللاحق بعد الثورة الذي أدركه بمرارة ومدح العهد السابق عهد المخلوع الذي عايشه بكل حلاوة:
كان عهداً و(اليومَ) قحْطٌ صُراحٌ بالغُ الأسْر شائكٌ رَمّاحُ
قيل: حلَّ (الرّبيع) فاربدَّ أفقٌ كالحُ الوجه أسْحمٌ نَوّاحُ
هو ذات الخريف لكنْ دعَوْه باسْمِ زُورٍ به الخَرابُ يُباحُ
غاض سِحْرُ الحياة فيه وسادتْ شعْوَذاتٌ بها الحِمَى مُستباحُ
وخِطابٌ مُظلِّلٌ كسَرابٍ أيُّ ريّ من السّراب يُتاحُ!
والخيالُ الكسيحُ أضغاثُ حُلْم تتداعى من حولها الأشباحُ
أين مِنّا الحِمَى وقد كان دُنيا صِيغ فيها الإبداعُ والإصلاحُ
وترَى (اليومَ) موجَ بحْرٍ عَصوفٍ ضاع فيه المِجدافُ والملّاحُ
ذبُل الزّهرُ في الرّياض وجفّتْ يانعاتٌ وَصوّحتْ أدْواحُ
أين مِنّا الطيورُ أين لُغاها؟ غاب منها الصّدَى وهِيضَ الجناحُ
فالسحابُ المطِيرَُ محْضُ خيالٍ ومروجُ الخضراء قَفْرٌ صُراحُ
هُوَ آتٍ ـ وفي الجوانح نورٌ ـ هوَ آت وتُهزَم الأتْراحُ
تُشرق الشّمس بعد ليل بهيم ليس بعد الظلام إلا الصّباحُ
فلو تَلصّص قليلا بين الأبواب لرأى بعين الحق ما يفرّج عنه الكربة التي يجدها المتحيّز إلا لمصالحه، لا لمصالح قومه فيغنم أخذ المُثْلة به في قول الصدق وستر الذنب وقبول الصفح.
فقد مثّلت لنا قصيدته هذه تحديا لنظرية تحطيم فكرة الإعجاز في القرآن الكريم القائمة بالمناظرة لفكرة الإعجاز نفسها بين الشعراء وبين بعضهم البعض ومثلها فكرة المعلقات. فالقرآن هو صورة من صور البلاغة العربية وإعجازه لا يفهم من بعض جوانبه إلا من خلال إدراك أسرار اللغة وبلاغتها ودلائل معانيها النحوية والفقهية. وهي فكرة عالجناها في محاضرة لنا منشورة (عنوانها «تطبيق نظرية الإعجاز على الشعر» كنا ألقيناها في بعض المؤتمرات الأدبية بالقيروان سنة ١٩٨٩).
فكرة الإعجاز القرآني وقصيدة علي الشابي "بين الأمس واليوم" جاءت لتتحدى مقولة الحداثة المزيفة في تاريخ الشعر العربي الحديث الذي تعود نماذجه الأقدم إلى ما قبل ظهور الإسلام بقرنين تقريبا ـ حتى لا نقول أكثر كداغر فنظلم الجاهلية ـ ولذلك كانت العناية بتدوين الشعر السابق على الإسلام لأنه ديوان العرب مبكرة على كل عناية بتدوين العلوم والمعارف الموروثة عن الأمم القديمة.
هذه القصيدة إذن مصدر إعجازها القرآن. فهجر مقومات هذه اللغة بعنوان التجديد والتطور كسائر اللغات الأوروبية اليوم هو همّ الاستشراق الأول في دراساته لعلاقة العربية بالقرآن الكريم، لأنه بانفكاكها عنه تكون أكثر قابلية لفقدان مناعتها إزاء غزو اللهجات المحلية واللغات الاستعمارية التي يبنون سياساتهم عليها، وتصبح الفجوة بين الدين والحياة العامة في بلاد الإسلام غير مرتبطة بقداسة اللغة وبعبارة أخرى بقداسة القرآن.
وأكثر النزعات من هذا النوع، تجد دعمها وتأييدها وتكريم أصحابها لأنها تخدم الأغراض التي يدبرونها ضد شعوبها حتى وإن بدت اللغة العربية في ظاهر الأمر مستغنية عنها بما وضعته ابتكارات أعلام أبنائها من علماء القراءات (كعلامات الوقف) والنحو والبلاغة والعروض ولغة ومعاجم، دون حَيْد عن قارعة الدين وفصاحة العربية.
تونس في ٢٠ رجب ١٤٤٦هـ / ٢٠ جانفي ٢٠٢٥م
كالشعر والسياسة كالشعر والدين
2025-01-22
994 قراءة
د - المنجي الكعبي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن