مقالات عن: أحمد إبراهيم خضر‏

(9) جيش أمريكا العظيم: الأسطورة و الواقع‏

2008-05-13 13051 قراءة د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏
1
‏ أوضحنا في مقالَيْنِ سابقَيْنِ، أنَّ عودة آلاف الجنود إلى الولايات المتحدة، بعد اشتراكهم في الحرب في العراق وأفغانستان ‏‏- قدْ كشفتْ عَنْ حَجْمِ الأعباء الاجتماعية للحرب التي بدأتْ ملامحُها في الظُّهور. كما ألقتْ أحدثُ تقاريرِ الحربِ الضَّوْءَ‏‎ ‎على انهيار الصحة البدنية و العقلية للجنود العائدِيْنَ، و ازديادِ معدلات الانتحار بينهم، و معاناتِهم مِنَ التشرد و إدمانِ ‏المُخَدِّرات، و الاعتقالِ بسبب جرائمَ مدنيةٍ ارتكبوها، و ما ارتبط بذلك مِنَ النقص الحادِّ في حجم المساعدات المالية والطبية
‏ التي يحتاجونها، و حالة الفقر المُدْقِع الذي يُعَانون منه. ‏

جيش أمريكا العظيم فَقَدَ أربعة آلافِ قتيلٍ في العراق و أُصِيْبَ منه أكثر مِنْ ستين ألفَ جنديٍّ في العراق و أفغانستان، منذ ‏عام 2001م ! و الجديد هنا هو أنَّ التقدُّم الطبيّ و التكنولوجيا الحديثة، ساهَمَتَا في بقاء آلافِ الجنودِ أحياءَ في هذه‏‎ ‎الحرب‎ ‎الحالية، أكثر مِنْ أيِّ حربٍ مَضَتْ في التاريخ الحديث، و لكنها حياة ارتبطتْ بإصاباتٍ بدنية و دماغية، لا يمكنُ علاجُها؛ ‏فحينما يعود هؤلاء الجنودُ إلى بلادهم، يواجهون صعوباتٍ عدَّةً؛ منها انتظارُ دَوْرِهم في العلاج الطبيّ، و هو‏‎ ‎علاجٌ يحتاج ‏إلى انتظارٍ طويلٍ، بالإضافة إلى أنه علاجٌ غيرُ منظَّمٍ و مُزْدَحِمٍ، و غيرُ مُمَوَّلٍ ماليًّا؛ ممَّا يؤدِّي بالجنود العائدين إلى حالةٍ ‏مِنَ البؤس الاجتماعيِّ الشديد.‏

‏ تشهد إحصائيات الهيئات المَعْنِيَّة بهؤلاء الجنود، أنَّ هناك 264000 مُقَاتِلٍ عائدٍ مِنَ الحرب - عُوْلِجُوا في العيادات و‏‎ ‎المستشفيات - رفعوا دَعَاوَى قضائية ضدَّ الهيئات التابعين لها؛ بسبب معاناتهم هذه. و مِنَ المتوقع في عام 2008 أنْ يُعَالَجَ ‏‏300000 جنديٍّ عائدٍ مِنَ العراق و أفغانستان، و تُقَدِّرُ الحكومة الأمريكية تكاليفَ علاجِهم بـ 650 بليون دولار، كما أنَّ‏‎ ‎التقديراتِ المحافظة للجيش الأمريكيّ، تُشير إلى انتشار ما تُسَمِّيه بـ " وباء المرض العقليّ " بين الجنود العائدين، و تشهد ‏الإحصائيات كذلك، أنَّ 38 % مِنْ جنود الجيش، و نصف الحرس الوطنيّ العائدين، يُعَانون مِنَ اضطراباتٍ عقلية و‏‎ ‎نفسية.‏

و تُعْتَبَرُ الإصاباتُ الدماغية، أكثرَ الإصابات الشائعة بين الجنود العائِدِيْن، و هي إصاباتٌ يَصْعُبُ تشخيصُها، كما يصعب ‏علاجُها، و تتراوح أعراضُها مِنْ سرعة الغضب، إلى الإحساس بالدوار الكامل، و تصل إلى حالةِ نسيانِ طريقةِ المشيِّ و ‏كيفيةِ الكلام، و تسوءُ الحالةُ عَبْرَ الزمن. و طبقًا لتقاريرِ مركزِ علاجِ الإصاباتِ الدماغيةِ للجنود العائدين، هناك أكثرُ‎ ‎مِنْ ‏‏4200 جنديٍّ عائدٍ دخلوا المستشفياتِ العسكريةَ هذا العام، و يعتقد الأطباء أنَّ هناك عدةَ آلافٍ أخرى مِنَ الجنود، يعانون مِنْ ‏هذه الإصاباتِ، لكنهم غيرُ مُسَجَّلِيْن، و أنَّ واحدًا مِنْ كلِّ خمسةِ جنودٍ عائدين، يُعَانون مِنْ هذه الإصاباتِ الدماغية، و التي‏‎ ‎يعودُ أغلبُها إلى اقترابِهم مِنَ المتفجرات، التي تُزْرَعُ على جانبَيِ الطريق.‏‎ ‎

و تُشير التَّقاريرُ كذلك، إلى أنَّ الطبيعة القاسية للحرب؛ أدَّتْ إلى إصابةِ نسبةٍ عاليةٍ مِنَ الجنودِ باضطراباتِ ما بعد‏‎ ‎ضغوطِ ‏الصدمة، و أوضحتُ مُسُوْحُ هيئةِ " والتر ريد " أنَّ هذا النوع مِنَ الإصابات، قد لَحَقَ بما يَقْرُب مِنْ 22000 جنديٍّ عائدٍ، ‏‎ ‎‏ ‏أنَّ أربعةً مِنْ كلِّ خمسةِ جنودٍ، إمَّا صدرتْ لهمُ الأوامرُ باستخدام سلاحهم للقتل، أو شاهدوا أحدًا قد قَتَلَ أو جَرَحَ. و ترتفع ذه ‏النِّسبُ سواءً بين جنودِ الخدمة الفعلية، أو جنودِ الاحتياطِ الذين خدموا في العراق‏‎ ‎و أفغانستان. كما تضاعفت حالاتُ ‏الاكتئاب الحادِّ، أما حالاتُ الصِّراعِ مع العائلة و الأصدقاء، فقدْ ارتفعتْ مِنْ 3.5 % إلى 14% عند أفراد الخدمة الفعلية، و ‏مِنْ 4% إلى 21% عند جنودِ الاحتياطِ العائدين مِنَ الحرب. و ترى هيئة " والتر ريد " أنَّ التقديراتِ المُشَارَ إليها، قد‎ ‎تكون ‏غيرَ دقيقةٍ؛ بمعنى أنها قد تكونُ أعلى ممَّا هي عليه؛ بسببِ النقصِ في الإمكانيات، و عدمِ توافُرِ العدد الكافي مِنَ‏‎ ‎الأطباء ‏المُعَالِجِيْن.‏

‏ و أشار مكتب الإحصاء الحكوميِّ، إلى أنَّ نصفَ ما يُعْرَفُ بالوحدات القتالية الانتقالية، لديها قصورٌ شديدٌ في الهيئ&;#1577;‏‎ ‎الطبية، تزيد نسبتُهُ عَنْ 50%، كما أنَّ أعدادًا كبيرة مِنَ الجنود، تحمَّلُوا - هم و أُسَرُهم - أعباءَ العلاج الطبيّ؛ بسبب عَجْز ‏الجيشِ عَنْ ذلك. غالبية أفراد جيش أمريكا العظيم، ينتمي إلى بيئاتٍ فقيرةٍ اقتصاديًا، و مَنْ رجع منهم إلى هذه البيئة، بعد ‏خدمتِهِ القتالية؛ رجع بأمراضٍ بدنية و نفسية. يقول أحد تقاريرِ " هيئة التَّحالُف الوطنيّ للقضاء على التَّشرُّد " : " إنَّ آلافَ ‏الجنودِ العائدين مِنَ العراق و أفغانستان، دخلوا في نطاق الملايين الأمريكيين الذين يعيشون بلا مَأْوى؛ ففي عام 2006 م، ‏كان هناك 194254 جنديًا عائدًا بلا مأوى ، يعيشون في الشوارع ، و في عام 2007 م ، قَدَّرَتْ إدارة الجنود المُسَرَّحِيْنَ، ‏أنَّ واحدًا مِنْ كلِّ ثلاثةِ مُشَرَّدِيْنَ ، هو مِنَ الجنود العائدين مِنَ الحرب؛ هنا تقدِّمُ الحكومة 15 ألف مأوى ، أما التنظيمات غير ‏الربحية ، فقد قدمتْ ثمانية آلاف ؛ هذا يعني أنَّ آلافًا أخرى مِنَ العائدين، على حافَّةِ التَّشرُّد؛ بسبب الفقر، و الافتقادِ إلى ‏الدَّعْمِ الأُسَرِيّ ، و الأصدقاء، و يعيشون في ظروفٍ سيئةٍ، و منازلَ رخيصةٍ و دون المستوى . إنَّ الجنود الشبان الذين ‏يلتحقون بالجيش، في سِنِّ السابعة عشرة و الثامنة عشرة؛ رغبةً في تحسين ظروفهمُ الاقتصادية و المعيشية السيئة - ‏يخرجون مِنَ الجيش فيجدون أنفسَهم في نفس هذه الظروف، إنْ لم يكن أسوأ ".‏

‏ أما إحصائيَّاتُ وزارة العدل، فتبيِّنُ أنَّ 12% مِنْ مجموع 7 ملايينَ سجينٍ، كانوا قد خدموا في الجيش، و أنَّ أربعةً مِنْ كلِّ ‏خمسةِ مساجينَ مُسَرَّحِيْنَ مِنَ الخدمة، هم مِنَ المُدْمِنِيْنَ على المخدِّرات، و أنَّ ربع المُعْتَقَلِيْنَ في السجون، هم مِنَ المشرَّدين ‏لمدة عامٍ على الأقلِّ، قبل دخولهمُ السجن، أو مِنَ المُصَنَّفِيْنَ على أنهم مرضى عقليين.‏

‏ هناك نصفُ مَليون عائدٍ مِنَ الحرب يعيشون بلا مأوى، هناك 467877 مِنَ العائدين، غيرُ قادرين على دَفْعِ إيجاراتِ ‏المنازلِ التي يسكنونها، و يدفعون أكثرَ مِنْ نصفِ دخولِهم؛ إيجارًا لهذه المساكن؛ و هذا يعني أنهم على حافَّةِ التشرُّد، و أنَّ ‏أكثر مِنْ نصف العائدين مِنَ الحرب تحت خَطِّ الفقر؛ فهناك 43% مِنَ العائدين يحصلون على تذاكر طعامٍ مِنَ الحكومة.‏
إنَّ مشاكل الجنود العائدين مِنْ حرب جيش أمريكا العظيم، في العراق و أفغانستان - لا تقفُ عند حدود الاضطرابات ‏العقلية التي يعانون منها، و محاولةِ إعادةِ تَكَيُّفِهم مع مجتمعاتهم مرةً أخرى، فهناك مشكلةٌ كبرى أخرى تواجههم، إنها‏‎ ‎مشكلةُ إعادةِ تعبئتِهم مرةً أخرى للقتال، رَغْمَ ما يُعَانون منه مِنْ هذه الاضطرابات.‏

‏ لم تَعُدِ الحربُ تَحْظَى بشعبيَّةٍ بين الشباب الأمريكيّ؛ لهذا فإنَّ الجيش لم يَعُدْ يتمسكُ بمستوياتٍ صارمة، لا بُدَّ أنْ تتوفرَ ‏فيمَنْ يريدُ الالتحاق به؛ حيثُ سمح الجيش للأفراد الذين يعانون مِنْ بعض الاضطرابات النفسية و العقلية، و حتى مِنْ ذوي ‏التاريخ الإجراميّ بالالتحاق به، و انتهك الجيش و الحرس الوطنيّ معاييرَ التجنيدِ بوضوحٍ، حينما سَمَحَا لهذه الفئةِ مِنَ‏‎ ‎الشباب بالالتحاق بهما، إذا ثبت لهما أنَّ حالة هذا الشباب، كانتْ مستقرةً قبلَ ثلاثةِ أشهرٍ مِنَ التجنيد. ‏

و عَمَدَ البنتاجون إلى إطالة فترة الخدمة في الميدان، فلم يَعُدْ يسمح‎ ‎بالتسريح مِنَ الخدمة بسهولة؛ الأمر الذي جعل الجيش ‏يُعَاني مِنْ عدم الإقبال على التجنيد و هذا يُمَثِّلُ عائقًا في وجهِ الإدارة الأمريكية، إذا ما حاولتْ توسيع نطاقِ عملياتِها‏‎ ‎العسكرية في مناطقَ أخرى مِنَ العالم. هذا هو جيش أمريكا العظيم الذي يُقَاتِلُ في العراق و أفغانستان، كما وَصَفَتْهُ ‏‏"ناعومي سبنسر" في مقالتِها، عمَّا أَسْمَتْهُ " بالكارثة الاجتماعية للجنود المُسَرَّحِيْنَ مِنَ الخدمة القتالية ". و لعلَّ أبلغَ ‏التعبيرات عَنْ حالة هذا الجيش العظيم - جاء على لسان والدة الجنديّ " داميان فيرانديز " الذي قالتِ عنه أمُّهُ: " إنَّ عمره ‏لا يزيد عَنْ خمسةٍ و عشرين عامًا، و يُعاني مِنِ اضطرابٍ عقليٍّ، تزيدُ نسبتُهُ عَنْ 70% " . قال " فيرانديز " لأمِّهِ: "أعيشُ ‏في العام ثلاثمائة و خمسةً و ستين يومًا، تحت وَطْأَةِ القنابل و الألغام الأرضية في الشوارع، أشاهدُ زملائي يُقْتَلُون، كلَّ يومٍ ‏أعيشُ في قلقٍ أكثرَ و أكثر، إني أُفَضِّلُ أنْ أقتلَ نَفْسِي، و لا أعودُ مرةً أخرى إلى الحرب ".‏
‏ أمَّا الجنديّ " مايكل دي فلايجر"، و الذي جاءتْهُ الأوامرُ مِنْ قيادته، بالعودة إلى وحدته، بعد يومٍ واحدٍ مِنْ خروجه مِنَ ‏المستشفى العسكريّ، حيث كان يتلقَّى العلاج مِنْ أزمةِ اضطرابٍ حادةٍ كان يُعاني منها - فقد قال لأمِّهِ: " يا أمي، إني ذاهبٌ ‏لأموتَ، أنا لنْ أعودَ مرةً أخرى حيًّا، أنا أشعرُ بالموت، أَحْلُمُ به دائمًا ".‏

‏ هؤلاءِ هم جنودُ جيشِ أمريكا العظيم، فيهم مِنْ سِمَاتِ المنافقين الذين يَتَفَوَّهُون بالإسلام الكثير، "وَ إِذَاْ رَأَيْتَهُمْ تعجبك ‏أجسامهم، وَ إنْ يَقُوْلُوْا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَّنَدَةٌ، يَحْسَبُوْنَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ " ( المُنَافِقُون 4) . جيش أمريكا العظيم، ‏نرى فيه قوله تعالى:" و ظَنُّوْا أَنَّهُم مَّاْنِعَتُهُمْ حُصُوْنُهُم مِّنَ اللهِ؛ فَأَتَاْهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوْا، وَ قَذَفَ فِيْ قُلُوْبِهِمُ الرُّعْبَ، ‏يُخْرِبُوْنَ بُيُوْتَهُمْ بِأَيْدِيْهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِيْنَ " ( الحَشْرُ 2) ، " لاَ يُقَاْتُلُوْنَكُمْ جَمِيْعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِِ جُدُرِ" ‏‏(الحَشْرُ 14) . إذا خرجوا مِنْ هذه الجُدُر، و معهم أحدثُ التكنولوجيا ، يحملونها على ظهورهم ؛ تَلَقَّفَهُمُ الموتُ بالقنابل و ‏الألغام المزروعة على جانبي الطريق، و إذا احْتَمَوْا بهذه الجُدُر المُحَصَّنة، و المُزَوَّدَة بأحدثِ التكنولوجيا ؛ نجوا من الموت ‏السريع، هنا يأتيهمُ الله بالموت البطيء مِنْ حيث لم يحتسبوا، و إنْ لم يموتوا انتحروا.‏
فعَلامَ الدَّنِيَّة في ديننا إذًا ؟! و هذه هي حقيقة العدوِّ و جيشه العظيم !!!‏

---------------------------
الدكتور أحمد إبراهيم خضر
دكتوراه فى علم الإجتماع العسكرى
عضو هيئة التدريس السَّابق بجامعات القاهرة ،و الأزهر ، و أمِّ درمان الإسلامية ، و جامعة الملك عبد العزيز

التعليقات والردود

1
فريد
2009-05-29
قساوة القلوب تشوه الوجوه
بسم الله الرحمان الرحيم أما بعد أعزائى الكرام ان اقدر ارائكم و لكن اليس من المفروض التعاون مع اخواننا في العراق و ليس التعاون مع أعدئهم

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق