مقالات عن: المنجي الكعبي

حل الدولتين في مأزق النقض

2024-04-24 1314 قراءة د - المنجي الكعبي
المستحيلات‭ ‬ثلاثة‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬هي‭ ‬‮ ‬الغول والعنقاء والخل‭ ‬الودود‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬لها‭ ‬مستحيلا‭ ‬رابعا‭ ‬هو‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭.‬

فالفيتو‭ ‬الأمريكي‭ ‬أخيرا‭ ‬على‭ ‬عضوية‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بموجب‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬يكشف‭ ‬على‭ ‬زيف‭ ‬هذا‭ ‬الحل،‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬لأنه‭ ‬مشروط‭ ‬مسبقا‭ ‬بموافقة‭ ‬الطرفين‭ ‬المعنيين‭. ‬وهذا‭ ‬وجوده‭ ‬كبيض‭ ‬الأنوق،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قول‭ ‬المثل‭ ‬العربي‮ ‬أعز‭ ‬من بيض‭ ‬الأنوق،‭ ‬أي‭ ‬يصعب‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬صعوبة‭ ‬التقاء‭ ‬الماء‭ ‬والنار‭ .‬

فكيف‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬مرفوض‭ ‬من‭ ‬أساسه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬إسرائيل،‭ ‬من‭ ‬صبيحة‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لقيامها‭ ‬كدولة‭ ‬بعد‭ ‬قرار‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬48‭ . ‬والآن،‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬القرن‭ ‬وباحتلالها‭ ‬لأكثر‭ ‬تراب‭ ‬فلسطين‭ ‬تطلب‭ ‬الأكثر،‭ ‬احتلال‭ ‬كامل‭ ‬فلسطين‭.‬

ودون‭ ‬مفاوضات‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الوارد‭ ‬أصلا‭ ‬الاعتراف‭ ‬بعضوية‭ ‬طرف‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬احتلال‭ ‬من‭ ‬خصمه‭.‬

وليس‭ ‬فقط‭ ‬إسرائيل‭ ‬رفضت‭ ‬قرار‭ ‬التقسيم‭ ‬بل‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬الأمم‭ ‬آنذاك‭ ‬رفضت‭ ‬القرار‭ ‬ومعها‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬الواقعة‭ ‬يومها‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الاستعمار،‭ ‬لأنه‭ ‬قرار‭ ‬مأخوذ‭ ‬بالابتزاز‭ ‬والضغط‭ ‬والإكراه‭ ‬من‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وفرنسا؛‭ ‬أما‭ ‬بريطانيا‭ ‬فإنها‭ ‬كانت‭ ‬محيدة‭ ‬بزعمهم‭ ‬لأنها‭ ‬دولة‭ ‬الانتداب‭.‬

والتعليل‭ ‬بشرط‭ ‬المفاوضات‭ ‬هو‭ ‬الجحة‭ ‬القائمة‭ ‬اليوم‭ ‬وراء‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬‏الولايات‭ ‬‏المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ضد‭ ‬مشروع‭ ‬القرار‭ ‬الجزائري‭ ‬المقدم‭ ‬للتصويت‭ ‬بمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬لا‭ ‬أول‭ ‬لها‭.‬

فكأنه‭ ‬لم‭ ‬يتفطن‭ ‬أحد‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ - ‬شرط‭ ‬التفاوض‭ - ‬سقط‭ ‬بسقوط‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬به‭ ‬لأنه‭ ‬أي‭ ‬القرار‭ ‬بقي‭ ‬حبرا‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬لم‭ ‬يطبق‭ ‬منه‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬تحدته‭ ‬إسرائيل‭ ‬مثنى‭ ‬وثلاث‭ ‬ورباع‭ ‬‏بحروبها‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬هي‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬‏على‭ ‬حساب‭ ‬الطرف‭ ‬المقابل،‭ ‬‏وبكثير‭ ‬من‭ ‬جولات‭ ‬التفاوض‭ ‬التي‭ ‬باشرتها‭ ‬برعاية‭ ‬حليفتها‭ ‬الأولى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ورمت‭ ‬بمخرجاتها‭ ‬ظهر‭ ‬الحائط‭ ‬كالقرار‭ ‬الأممي‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬‮٤٨‬‭.‬

إذن‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬إلا‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬القاهرة‭ ‬لحمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الانصياع‭ ‬للاجماع‭ ‬الدولي‭ ‬كما‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬وكما‭ ‬تمثل‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬الفيتو‭ ‬المستخدم‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬القائم‭ ‬وهم‭ ‬تحديدا‭ ‬اليوم‭ ‬أمريكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وبربطانيا‭ ‬المؤيدين‭ ‬التأييد‭ ‬المطلق‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬المعروف‭ ‬بقرار‭ ‬التقسيم،‭ ‬تقسيم‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬الى‭ ‬دولتين‭ ‬عبرية‭ ‬وعربية،‭ ‬أي‭ ‬يهود‭ ‬وعرب،‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬مقسوم‭ ‬الى‭ ‬ثلاث‭ ‬كائنات‭ ‬أو‭ ‬كوائن،‭ ‬أي‭ ‬دول‭ ‬مستقلة‭ ‬بعضها‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬كالديانات‭ ‬الثلاث‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭: ‬دولة‭ ‬لليهود‭ ‬ودولة‭ ‬للعرب‭ ‬ودولة‭ ‬صليبية‭ ‬ولكن‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬وصاية‭ ‬دولية‭ ‬وتشمل‭ ‬القدس‭ ‬برموزها‭ ‬الدينية‭.‬

كشأن‭ ‬الاستعمار‭ ‬في‭ ‬شعاراته‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬لغزو‭ ‬العالم‭: ‬حرية‭ ‬ومساواة‭ ‬وأخوة‭ ‬ثم‭ ‬شعارات‭ ‬الإمبريالية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬والديمقراطية‭.‬

فحل‭ ‬الديانات‭ ‬الثلاث‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الأمثل‭ ‬للصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬لأنه‭ ‬يعود‭ ‬بنا‭ ‬الى‭ ‬الأصل‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬الديانات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عليها‭ ‬فلسطين‭ ‬قبل‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني‭. ‬فلنعد‭ ‬الى‭ ‬حل‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭ ‬إذن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أصدق‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬فلسطين،‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬ونسقط‭ ‬بالكامل‭ ‬قرار‭ ‬التقسيم‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬مرفوضا‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬وغير‭ ‬متحقق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬أو‭ ‬أطماع‭ ‬المستعمرين‭ ‬لإيجاد‭ ‬قدم‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬المقدسة‭ ‬باسم‭ ‬الصليبية‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬والصهيونية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الاستعمار‭ ‬ثم‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬ونسقط‭ ‬كذلك‭ ‬قرار‭ ‬‮«‬الديانة‭ ‬الإبراهيمية‮»‬‭ ‬الحديث‭ ‬وليد‭ ‬الفكرة‭ ‬نفسها‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الوصاية‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬القدس‭. ‬والقدس‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬فلسطين‭ ‬وبدونها‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لدولة‭ ‬فلسطين‭ ‬الأصلية‭ ‬محور‭ ‬النزاع‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬‏الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬‏في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والصهيونية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬بزعامة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتهاوية‭ ‬دولتها‭ ‬مند‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬بانتهاكاتها‭ ‬السالبة‭ ‬‏لحريات‭ ‬الشعوب‭ ‬وحقها‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الصومال‭ ‬وأفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭.‬

----------------------
تونس‭ ‬في‭ ‬‮١٣‬‭ ‬شوال‭ ‬‮١٤٤٥‬‭ / ‬‮٢٢‬‭ ‬أفريل‭ ‬‮٢٠٢٤‬

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق