مقالات عن: أحمد إبراهيم خضر‏

(7) "إنا لله وإنا إليه راجعون": ملاذ ذوي المصائب‏

2008-05-01 10907 قراءة د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏
انطفأ مصباح النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون" فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله ؟ ‏قال:"نعم، كل ما أذى فهو مصيبة ".‏
والمصيبة هي النكبة التي تقع للإنسان وإن كانت صغيرة، وهى المكروه أيضا، وهى كل ما يؤذى المؤمن.‏‎ ‎يقول تعالى: ‏‏"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ‏المهتدون". (البقرة 155-157)، كلمات الإسترجاع في هذه الآية هى: " إنا لله وإنا إليه راجعون"، هذه الكلمات هى ملجأ‎ ‎وملاذ ذوى المصائب " فلا يتسلط الشيطان عليهم ولا يوسوس لهم بما يزيد من شدة مصائبهم. وهى من أبلغ علاج‎ ‎المصائب وأنفعها للإنسان، وهى جامعات لمعاني الخير والبركة، فقول المصاب " إنا لله " توحيد وإقرار بالعبودية والملك، ‏وقوله: وإنا إليه راجعون" إيمان بالبعث بعد الموت وإيمان أيضا بأن الله له الحكم في الأولى وله المرجع في الآخرة، فهى ‏كلمات تعنى اليقين بأن الأمر كله لله وأنه لا ملجأ منه إلا إليه. ‏
‏ وتتضمن هذه الكلمات كما يقول العلماء أصلين عظيمين إذا عرفهما المصاب خففت عنه شدة ما أصيب به.‏

الأول: أن يعرف المصاب ويوقن بأن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله تعالى حقيقة، وأن الله تعالى قد أعارها إياه وجعلها‏‎ ‎عنده، فإذا أخذها الله منه فإنه يكون قد استرد ما أعاره إياه، وأن تملك الإنسان لما أعير إنما كان لفترة يسيرة من الزمن‏‎ ‎ليستمتع بها. وإذا كان الإنسان قبل أن يولد عدما، وبعد أن يموت سيكون عدما، وإذا كان الله تعالى هو الذي أوجده من عدم، ‏فكل ما يملكه ليس ملكه حقيقة وليس له فيه تأثير، وإنما ملك من أوجده من هذا العدم.‏
‏ والإنسان يتصرف فيه ليس تصرف المالك وإنما تصرف العبد المأمور بالفعل والمنهى عن آخر، ولهذا لا يباح له‎ ‎التصرف ‏إلا وفق أوامر ونواهى المالك الحقيقي وهو الله عز وجل، فكيف يأسى على فقد شيئ لا يملكه أصلا.‏

الثاني : أن مصير الإنسان ومرجعه هو إلى الله تعالى ، وأنه ولا بد أن يترك الدنيا وراء ظهره ، ويأتي ربه يوم القيامة فردا ‏، كما خلقه أول مرة ، بلا أهل ولا مال ولا ولد ، ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات فقط ، فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته،‎ ‎فكيف يفرح بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا، وكيف يأسى على عزيز فقده ، أو مال خسره .‏
‏ إن في كل قرية و في كل مدينة بل وفي كل بيت من أصابته مصيبة، فمنهم من أصيب مرة و منهم من أصيب مرارا و لا ‏ينقطع هذا حتى يأتي على جميع أهل البيت حتى نفس المصاب فيصاب أسوة بأمثاله ممن تقدمه فإنه إن نظر يمنة فلا يرى ‏إلا محنة وإن نظر يسرة فلا يرى إلا حسرة.‏
وذكر العلماء: أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض و مغاربها و بلغ أرض بابل مرض مرضا شديدا فلما شعر بدنو ‏أجله كتب إلى أمه: يا أماه اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عليه و لا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة و اعلمي هل ‏وجدت لشيء قرارا باقيا و خيالا دائما ؟ ! إني قد علمت يقينا أن الذي أذهب إليه خير من مكاني، فلما وصل كتابه إلى أمه ‏صنعت طعاما و جمعت الناس و قالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة فلم يأكل أحد من هذا الطعام، فأدركت ماذا كان ‏يقصد ولدها، فقالت: من يبلغك عني أنك و عظتني فاتعظت و عزيتني فتعزيت فعليك السلام حيا و ميتا.‏

ولو فتش المصاب العالم فلن ير فيه إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، فسرور الدنيا كما يقول العلماء أحلام ‏نوم أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا و إن سرت يوما ساءت دهرا و إن متعت قليلا منعت طويلا وما جلبت ‏للشخص في يوم سرورا إلا خبأت له في يوم آخر شرورا. وقال العلماء أيضا: ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء.‏
ورغم ذلك كله، فإن في قصة أم سلمة رضى الله عنها بشارات مضيئة لذوى المصائب، قالت أم سلمة: " سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ( إنا لله و إنا إليه راجعون ) اللهم اؤجرني في مصيبتي و ‏أخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير من أبي سلمة ‏صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت: ثم عزم لي فقلتها فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏
المقصود هنا: أن هذا تنبيه على قوله تعالى: ( و بشر الصابرين ) بأنه تعالى يخلف المصاب كما أخلف لأم سلمة بدل زوجها ‏أبي سلمة رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اتبعت السنة و قالت ما أمرت به ممتثلة طائعة موقنة بأن البر والخير فيما ‏قاله الله ورسوله وأن الضلال و الشقاء في مخالفة الله و رسوله فلما علمت ـ رضي الله عنها ـ أن كل خير في الوجود إما ‏عام و إما خاص فهو من جهة الله و رسوله و أن كل شر في العالم أو كل شر مختص بالعبد فسببه مخالفة الله ورسوله، ‏وقالت هذه الكلمات حصل لها مرافقة الرسول في الدنيا و الآخرة.‏

و قد يتحقق للإنسان بكلمات الاسترجاع منزلة عالية و ثوابا جزيلا، فإن الله تعالى يقول لملائكته: " ماذا قال عبدي ( أي ‏عند المصيبة ) ؟ فيقولون: حمدك و استرجع فيقول الله تبارك وتعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد ".‏
والذي يسترجع عند المصيبة: عليه صلوات من ربه ( أولا )، ورحمة ( ثانيا )، وهو من المهتدين ( ثالثا )، كما جاء في ‏قوله تعالى: " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ‏ورحمة وأولئك هم المهتدون". وقال عمر في ذلك: نعم العدلان و نعمت العلاوة فأراد بالعدلين الصلوات و الرحمة و‏‎ ‎بالعلاوة الهداية وقيل فيها أيضا: المراد استحقاق الثواب وتسهيل المصاب و تخفيف الحزن ( أولئك عليهم صلوات من ‏ربهم ) فالصلاة من الله الرحمة و من الملائكة الاستغفار و من الآدمي التضرع و الدعاء ) وقال العلماء: صلاة الله ثناؤه ‏عليه عند الملائكة و صلاة الملائكة الدعاء.‏

ومن أعظم البشارات كذلك:أن من أصيب بمصيبة ثم تذكرها بعد مدة طويلة فجدد لها استرجاعا و صبرا كان له عند الله من ‏الأجر كلما ذكرها و استرجع.‏
قال الإمام أحمد في مسنده: ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ما من مسلم و لا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها و إن ‏طال عهدها ـ قال عباد: قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عنه ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها . ‏
وقال سعيد بن جبير : ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة ـ يعني ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ـ و لو أعطي أحد ‏لأعطي نبي الله يعقوب عليه السلام ألم تسمع إلى قوله في فقد يوسف : { يا أسفى على يوسف } أولئك ـ أصحاب هذه ‏الصفة ـ ( عليهم صلوات من ربهم ورحمة و أولئك هم المهتدون) .‏


------------------
الدكتور أحمد إبراهيم خضر
دكتوراه فى علم الإجتماع العسكرى
عضو هيئة التدريس السَّابق بجامعات القاهرة ،و الأزهر ، و أمِّ درمان الإسلامية ، و جامعة الملك عبد العزيز

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق