غيب الموت الصديق العزيز الاستاذ قاسم بو سنينة الذي تربطني به أكثر من صداقة فقد كان زميل دراسة بالشرق وبلبنان تحديدا وبالزيتونة قبل ذلك وإن كنت أصغر منه ببضع سنوات.. قبل أن التقي به بعد عودته من مهامه كسفير لتونس لدى المملكة العربية السعودية وأعود أنا من فرنسا بشهادة الدكتوراه من جامعة السربون وقد استكملت شهاداتي الجامعية والانتداب برتبة أستاذ محاضر بالجامعة التونسية ثم نائب بمجلس الأمة فقويت لحمة التعارف بيننا في المسؤوليات التي اصبح يتقلدها كل منا في ميدانه، وتمتنت هذه اللحمة وهذا الاحترام المتبادل حتى تولى رحمه الله في التسعينيات بصفته برلماني سابق رئاسة جمعية البرلمانيين التونسيين التي بقي على رأسها الى آخر حياته رحمه الله والتي كنت رئيس اللجنة الثقافية بها، ونظمت هذه الجمعية خلال مدته ندوات كثيرة دستورية وبرلمانية في المناسبات الوطنية كان من أبرز من يدعى لها للمحاضرة استاذ القانون الدستوري آنذاك الاستاذ قيس سعيد ومحاضرين آخرين من الخارج أحيانا وكان من نشاطه رحمه الله إشرافه على مشروع بناء جامع مالك بن انس المعروف أولا بجامع العابدين بقرطاج كممثل للطرف السعودي الممول للمشروع..
وكان لا يترك فرصة مقال لي قرأه في الصحافة وهو بالخارج أو بتونس إلا نوه به إلي في أول لقاء به بكل تقدير وثناء منفردا أو في مجموعة من الناس. واذكر فضله في معاضدتي عند تأسيس جمعية قدماء الزيتونة التي ترأستها في أول انبعثاها مع مجموعة من الشخصيات العلمية والاجتماعية المرموقة، وأصدرت مجلتها الشهرية «المرجع» التي سعيت للترخيص فيها على مسؤوليتي والتي توقفت بعد عدة أعداد مدة عامين.
وكم كان يسعده أن يرى الواحدة من بناتي الأربع في كل تكريم للناجحين من أبناء النواب في الامتحانات السنوية تأخذ من يده أو من يد الرئيس الشرفي لجمعية البرلمانيين التونسيين الجائزة الأولى للمكرمين في الحفل الذي يحرص أن يقام سنويا، حتى أن الحاضرين فوجئوا في عام من الأعوام ببناتي الأربع يحصدن في نفس الحفل الجوائز الأولى كل في الامتحانات الوطنية المناسبة لدرجتهن العلمية لذلك العام، السيزيام والبكالوريا والليسانس والدكتوراه. ونحتفظ إلى الآن في العائلة بصوره التذكارية وهو يقدم هذه الجائزة.
وهو شخصية نادرة في النظام البورقيبي لأنه لم يتجاوز تقلد أكثر من مرتبة سفير رغم مؤهلاته العالية. فقد كان بورقيبة لا يعين في المناصب السامية كالحكومة المتخرجين من الشرق مثله خشية من أفكارهم القومية الانقلابية، كان ما كان ولاؤه له. ولذلك وجد حظه نسبيا بعد بورقيبة ومع ذلك لم يراع له إخلاصه واستقامته وبقيت في نفسه حسرة أن يعفى ككاتب دولة لأشهر قليلة قبل أن يستوفي السنتين اللتين تمنحانه تقاعدا مرموقا.
رحم الرجل المثال للرجال المخلصين المغفور له قاسم بوسنينة.
-----------------------------------------
تونس في 16 شعبان 1445هـ/ 26 فيفري 2024 م
المرحوم قاسم بوسنينة مثال نادر من الرجال المخلصين
2024-02-29
1210 قراءة
د - المنجي الكعبي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن