تعود الناس على فهم أن التأثير يكون بالسبب فقط، وهم يربطون ذلك بالإيجاد، فيقولون إنه بفعل ذلك السبب كان ذلك الموجود.
والعديد يتوسّع فيقول بالعلة إنها سبب الإيجاد، فيخلط بين العلة والسبب، والحال أنه يوجد فرق بينهما.
يشترك السبب والعلة في كونهما يؤثران في الموجود، لكن السبب تأثيره سابق زمنيًا على الموجود، بينما العلة تأثيرها لاحق زمنيًا عنه.
لنأخذ أمثلة لفهم المسألة:
* سبب شغلك، أي موجده، هو تحصيلك العلمي ثم بحثك عن العمل، ولكن علة ذلك الشغل هي تلقي الأجر والعيش بكرامة والزواج وغيرها.
* سبب استقرارك في ذلك البيت تحديدًا هو نتيجة عمليات بحثك في الإنترنت التي لم تسفر عن محل أفضل، وعلة ذلك السكن هي الزواج وتربية الأطفال.
لنتعمق في النظر:
1- الموجود يكوّن مع السبب والعلة شبكة علاقات، مركزها الموجود، وطرفاها السبب والعلة.
2- علاقة السبب بالموجود علاقة إيجاد وأسبقية زمنية، لأن الموجود لاحق وجوبًا عن السبب، لكن السببية لا تعني بالضرورة الإيجاد، وإنما قد تكون التأثير في بعض خصائص الموجود. فهنا يمكن أن يُفهم السبب كعامل إيجاد وتغيير لصفة أو خاصية، وليس إيجادًا أصيلًا للكل.
ثم إن العلاقة هنا ذات اتجاه واحد، فالسبب دائمًا هو المؤثر، أي إن الفعل في اتجاه واحد.
3- علاقة العلة بالموجود علاقة لاحقة زمنيًا، لأن العلة هي المستفادة من حصول الموجود.
لكن التأخر الزمني للعلة عن الموجود تأخر مادي واقعي، وليس تأخرًا تصوريًا؛ حيث قبل حصول الموجود كانت العلة عاملًا أُخذ بعين الاعتبار لإنشاء الموجود. فأنت درست من أجل تلقي الأجر، وأنت اخترت ذلك السكن تحديدًا من أجل الزواج، ولأنه قريب من المدرسة التي سيذهب إليها أطفالك.
4- العلة لها تأثير في الموجود بطريقة غير مباشرة، فهي تؤثر فيه من خلال التعامل مع السبب المؤدي للموجود، أي أن العلة سبب للسبب، أي أن العلة سبب لعمل سبب الموجود وتأثيره فيه.
فسعيك للزواج (العلة) هو الذي جعلك تقوم بعملية بحث عن مسكن (سبب المسكن)، فهنا العلة أصبحت سببًا للبحث عن المسكن، الذي هو سبب للمسكن، وهو سبب وجود المسكن.
5- حينما نتتبع هذه العلاقة وعواملها بمفهومها اللغوي ودلالاته، تبدو العملية معقدة نوعًا ما، لكن لو اكتفينا ببنائها النسقي، حيث هناك علاقة بين ثلاثة عوامل، ربما ستصبح الأمور أوضح، وستكون العلاقات كالتالي:
* علاقة السبب والموجود علاقة ذات اتجاه واحد من السبب نحو الموجود.
* علاقة الموجود بالعلة علاقة غير موجودة.
* علاقة العلة بالسبب علاقة تأثير محتملة، وليست لازمة دومًا، وإن وجدت فهي من العلة على السبب.
6- علاقة التأثير هي التي تجمع السبب والموجود والعلة. الآن، حينما نضيف لها تقييمًا معياريًا يقول بكون الموجد هو الأقوى في العلاقة، أي أن اتجاه العلاقة هو الذي يعطي قيمة لطرفي العلاقة، وهذا ما هو حاصل عمليًا في واقعنا، أي أن السبب هو الأقوى، ساعتها سنجد نتيجة يمكن أن يتحول فيها الضعيف في الواقع إلى مؤثر في أسباب الوجود، وبالتالي يتحول إلى عامل تأثير في ذلك الموجود من خلال التحكم في أسبابه، وهذه جدلية ذات أبعاد مهمة علينا فهمها أولًا بغرض فهم الواقع الذي يمضي حسب هذه القوانين الاجتماعية.
مثلًا، النظام الحاكم الذي تتحكم فيه مجموعة ذات مصالح تعمل على استغلال الناس، قبل اتخاذ قرار بزيادة أسعار أو غيرها، تتجنب استثارة ردّة فعل الناس، فتقرر إرجاء ذلك القرار أو تعديله.
هنا ردّ الناس هو العلة التي أثرت في سبب القرار، أي أن الموضوع الموجود، وهم الناس، أنتجوا تأثيرًا عطّل الأسباب الأولية للمتحكمين بالواقع.
فالضعيف، موضوع التأثير الأولي، تحول إلى مؤثر في القوي من خلال التأثير في أسباب قراراته.
يمكن التوسع في هذه العلاقة التأثيرية من خلال التحكم في عواملها الثلاثة، بحيث تنتج آثارًا لمصلحتك.
جدلية السبب والعلة، حينما يؤثر الضعيف في القوي
2022-12-18
4150 قراءة
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن