مقالات عن: صالح النعامي

‏"الإسلامفوبيا" تقرب إسرائيل من الغرب

2008-04-07 11920 قراءة صالح النعامي
استقبلت إسرائيل مؤخراً عدداً كبيراً من قادة الدول الأوروبية في العالم الذين خرجوا عن طورهم وهم يؤكدون على ‏إلتزامهم بأمن إسرائيل ومصالحها، مقابل تجاهلهم للمأساة التي يحياها الشعب الفلسطيني الرازح تحت الحصار الخانق الذي ‏تمارسه إسرائيل. المفكر والكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي يرى أن نجاح إسرائيل في تحقيق هذا الإنجاز الدبلوماسي يرجع ‏الى نجاحها في إثارة مخاوف أوروبا بعد نجاح حركة حماس في الإنتخابات التشريعية الأخيرة. وفي مقال نشره في صحيفة ‏‏" هارتس " ينوه ليفي الى أن القادة الأوروبيين تحديداً يسيئون الى إسرائيل من خلال هذا التأييد الأعمى. وهذا نص ترجمة ‏المقال:‏

حجم التأييد الدولي الذي تحظى به إسرائيل حالياً مثير للحرج تقريباً. ظاهرة الضيوف ذوي المناصب العالية الذين يتوافدون ‏على زيارة اسرائيل، الى جانب مظاهر الإستقبال الحافل التي يحظى بها المسؤولون الإسرائيليون الذين يزورون عواصم ‏العمل، أمر يستدعي الانتباه. زعماء العالم زاروا إسرائيل، من مستشارة ألمانيا انجيلا ميركيل وحتى المرشح الجمهوري ‏للرئاسة في الولايات المتحدة جون مكين ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وكل من يريد إحداث صرعة في العلاقات ‏الدبلوماسية يقوم بزيارة إسرائيل، وكأن من لم يزر هذه الدولة يصبح شخصية غير مهمة. بشكل تلقائي كل من يصل الى هنا ‏يتم أخذه الى مؤسسة " ياد فاشيم "، التي تخلد ذكرى اليهود الذين قتلوا على ايدي النازية، والى حائط المبكى، والى مدينة " ‏سديروت " التي تتعرض لعمليات القصف بالصواريخ من قبل المقاومة الفلسطينية، هذه المدينة أصبحت محجاً للزائرين ‏ذوي المناصب الرفيعة، بعض الزائرين يتجهون الى رام الله فقط في زيارة خاطفة لرفع العتب، أما غزة فلا يزورها أحد. ‏وكل الزوار يتنافسون فيما بينهم في اطلاق عبارات التأييد والتعاطف مع إسرائيل، في حين أن أياً منهم لا يتفوه بكلمة واحدة ‏ضد عمليات الاعتقال وعمليات العنف التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وماكنة الدعاية الإسرائيلية تعمل ‏عملها من خلال اجبار كبار الزوار على زيارة " سديروت ".‏

القاسم المشترك بين إسرائيل وبين كبار قادة الدول الأجنبية الذين يزورونها هو فوبيا الإسلام ( الخوف من الإسلام ). ‏إسرائيل نجحت في اعداد خلطة الخوف هذه بعد فوز حركة حماس في الأنتخابات التشريعية الفلسطينية، وبفعل هذه الفوبيا ‏حققت إسرائيل هذا النجاح الدبلوماسي غير المسبوق، وأصبحت دولة محبوبة. العالم يعانق إسرائيل، على الرغم من أنها ‏الدولة التي تفرض حصاراً ليس له مثيل في التاريخ في وحشيته، وتتبنى بشكل رسمي سياسة الإغتيالات. وبإستثناء وزير ‏خارجية روسيا، فأن أياً من كبار الضيوف لم يجد من المناسب الإشارة الى الحصار المفروض على قطاع غزة. ‏

لكن هذا الواقع مضلل الى حد كبير، فالرأي العام في الدول التي يحج قادتها لإسرائيل لا يبدي مثل هذا التعاطف معنا، ‏فإسرائيل في نظر شعوب العالم دولة غير محبوبة وأحياناً منبوذة وبغيضة. العالم يدرك النفاق الذي تعكسه زيارات كبار ‏الضيوف لسديروت التي تبدو كمنتجع سياحي مقارنة مع غزة. هناك شعور بالعدالة الطبيعية يدفع الناس للتعاطف مع ‏نضالات الشعوب المظلومة. ولأن هذه المواجهة تتم بين داوود الفلسطيني وجالوت الإسرائيلي فأن قدرتنا على استمالة ‏الرأي العام في العالم أمراً مستحيلاً. علينا أن ندرك أنه بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض السياسيين، فأن العالم ‏ليس معنا، موجهة التعاطف التي يغرقنا بها بعض كبار الزوار الأجانب ليست حقيقية. ‏

إسرائيل ونخبها السياسية وقعت في خطأ كبير عندما قاست صداقة الدول الأخرى لها بعدم توجيه انتقادات لسياساتها، بحيث ‏تكون هذه الصداقة عمياء. أن أي شخص في العالم الغربي يرى أن إسرائيل مشروع عادل عليه ألا يقبل اخطاءها. ‏فأصدقاؤنا الحقيقيون هم الذين يوجهون الانتقادات الحادة لسياسة إسرائيل الاحتلالية التي تشكل اكثر من غيرها خطراً على ‏مصيرها، بل ويقدمون على خطوات عملية بوضع حد لهذا الاحتلال. لكن هذه مسألة لا يدركها اغلبية السياسيون الذين ‏يظهرون صداقتهم لنا ويتعاطفون معنا.‏

‏ موقف القادة الاوروبين مثيرٌ للاستغراب بصورة استثنائية. نحن لا نتحدث عن الولايات المتحدة مع اللوبي اليهودي ‏‏– المسيحي الموجود فيها، وانما هي اوروبا صاحبة الآراء والافكار والمبادئ تلك التي فقدت قدرتها على ان تكون وسيطاً ‏نزيهاً يمارس تأثيره من اجل وضع حد للصراع الذي يشكل خطراً عليها ايضاً. نحن بحاجة لاوروبا والسلام بحاجة لها ‏ولكن اوروبا الرسمية تشيح بوجهها وتكيف خطها تلقائياً مع خط الولايات المتحدة من خلال تعاطفها الاعمى مع اسرائيل ‏ومقاطعتها لغزة. انجيلا مريكل التي استقبلت هنا بكل الحفاوة والاحترام لم تطرح في خطابها بالكنيست اي مسألة خلافية. ‏وهكذا تحول خطابها "التاريخي" الى خطاب فارغ من المضمون.‏

‏ مثلها تصرف زميلها في القيادة الاوروبية الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي خلال استضافته لرئيس الدولة ‏شمعون بيرس. أعلام اسرائيل التي رفرفت في الشانزليزية والزاوية الإسرائيلية الفاخرة في معرض الكتب في باريس لم ‏تكن بقادرة على تغطية حقيقة ان نفوس فرنسيين كثيرين قد سئمت الاحتلال. فرار المسؤولين الأوروبيين من ذكر الحصار ‏المفروض على غزة وتجويع وقتل المئات من سكانها يعني ان الساسة الاوروبيين قد فشلوا في تلبية الواجب المنوط بهم ‏سياسياً واخلاقياً. من يعتقدون ان التدخل الدولي النزية وحده هو القادرة على انهاء الاحتلال يصابون بخيبة الامل واليأس. ‏اجل اوروبا تحديداً التي تحمل مشاعر الذنب المبررة بسبب الكارثة التي لحقت باليهود، كانت ملزمة بأن تهب لمساعدة ‏اسرائيل ولكن بطريقة اخرى. الزيارات الاستعراضية والخطابات الرنانة المتكتكة تعبر تحديداً عن الاستخفاف العميق ‏باسرائيل – وبالرأي العام في اوروبا.‏

‏ هذه الصداقة العمياء تتيح لاسرائيل بأن تفعل كما يحلو لها. مرت الايام التي كان فيها وضع كل بيت متنقل في ‏مستوطنات الضفة الغربية وكل عملية اغتيال تسبقه دراسة دقيقة خشية الانتقادات الدولية. هذا لم يعد قائماً اليوم. اسرائيل ‏تمتلك صلاحية واعتماداً غير محدود للتصرف كما تشاء، أن تقتل وأن تهدم وان تستوطن. امريكا تنازلت منذ زمن عن ‏مكانة الوسيط النزية. وها هي اوروبا تسير في اعقابها. كم هو محزن ومثير للاكتئاب هذا الوضع: مع اصدقاء كهؤلاء ‏ليست اسرائيل بحاجة للاعداء تقريباً.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق