يمكن ملاحظة تنامي حالة وعي بخطر اللغة الفرنسية، لكنه وعي يتحرك في المستوى التقني البَعْدي، مما يجعله وعيا تابعا، وهذا مما لا يُفرح به لأن الفعل السليم لا يعني بالضرورة تحركه في منهج سليم
أولا - العلمية لا تعني الصوابية (2)
تستعمل أوصاف "العلمي" و"العلمية" لدعم طرح معرفي ما، بغرض إعطائه قيمة إقناعية، وهذا مسار غير دقيق، وفيه تشويش وتضليل بدرجة ما
تفسير ذلك أن "العلمية" وصف يلحق كيفية التناول التفصيلي البَعْدي، أي كيفية النظر والمعالجة لحقل بحث مسلّم ابتداءً بصوابيته، لكنه بالمقابل ليس وصفا يلحق الصوابية من نوع: يجوز أو لا يجوز
لذلك، "التناول العلمي" في مسألة اللغة الفرنسية لا يبحث في فكرة مدى جواز أو عدم جواز تدريس لغة أجنبية لابنك، فيما يتجاوز بُعد فاعلية اللغة في مساحة التواصل، لأن هذا سؤال تأسيسي قَبْلي تم طرحه ضمنيا والإجابة عليه بالجواز
هذا معناه أن تناولا علميا لا يجب أن يفهم منه أنه يجوز من حيث زاوية الصوابية
مثلا، المختصون يذهبون لفحص المومسات ضد الأمراض الجنسية، فهذا تناول ونشاط علمي، لكن هذا المسعى العلمي لا يعني صوابية فعل الدعارة نسبة للمركزية العقدية المؤطر الاعلى للواقع، لأن الصوابية تنظر في الجواز، بينما المسعى العلمي لاحق عن الوجود أي تحرك في فرضية صوابية الموجود ودليله وجوده
مثلا، المحتل الذي يريد إعدام مقاوم يأتي بمختصين يحضّرون غرفة الإعدام بطريقة علمية، فهنا صفة العلمية تتعلق بمعالجة الفعل اللاحق عن وجود عملية الاحتلال ثم الاعدام، لكن العلمية تلك لا تعني صوابية عملية إعدام المقاوم ولا الاحتلال
أي إن هؤلاء المختصين الذين يبحثون في إحصائيات اللغة الفرنسية، لو ثبت لهم وجود فاعلية لها، لما كانت لديهم مشكلة معها، وهذا لا يجوز من منظور الصوابية، إذ علينا أن نرفض تدريس لغة أجنبية للطفل، بصرف النظر عن جدواها، وقبل الوصول إلى البحث في التفاصيل البعدية ومن دون الحاجة للإحصائيات
ثانيا: بحث في الصحة وليس الصوابية: تناول بَعْدي وليس قَبْليا
1- ما يُكتب فيه هؤلاء هي مواضيع من نوع: علاقة تدريس اللغة الفرنسية بقدرات استيعاب المعارف لدى الطفل التونسي، وعدد ساعات اللغة الفرنسية وأثرها على قدرات التلميذ، ونسبة حصة ساعات تدريس اللغة الفرنسية مقارنة باللغة العربية ومقارنتها بفرنسا، وغيرها من المسائل التقنية المشابهة
2- نسبة للزمن، هذه تناولات بَعْدية، أي لاحقة عن استعمال لغة أجنبية؛ لأنها تنظر إلى واقع موجود، وهو اعتماد لغة أجنبية وفرضها على التونسيين، أي أن هذه التناولات لا توجد زمنيا في نقطة قبل فرض استعمال تلك اللغة، لأنه محال، لكنها بالمقابل لا تريد الرجوع إلى نقطة البداية ومساءلة فكرة صوابية فرض لغة أجنبية، أي لا تعتمد النظر القَبْلي، وإنما تتحرك في النظر البعدي
3- نسبة لمقياس التناول، ما يحصل حاليا من رفض للغة الفرنسية ينظر في بُعد اللغة التواصلي وفي تفاصيل واقع ويبحث في جدواه، فهو نظر يدور في الكيفيات، وأداته القياس الكمّي، لذلك تعتمد الإحصائيات
بالمقابل، فإنه تناول لا ينظر في فكرة صوابية الوجود ابتداءً، أي: هل يجوز أساسا فرض لغة أجنبية قبل الدخول في التفاصيل والجدوى، وانما تلك التناولات تتحرك بفرضية ضمنية، وهي الجواز
4- وإذا علمنا أن فكرة الصوابية تدور حول ممكنين، أي يجوز ولا يجوز، فإن التناولات الحالية الرافضة للغة الفرنسية مبنية أساسا على خلل منهجي لأنها تدور في مجال ناقص ابتداءً، إذ اعتمدت فرضية غير مثبتة، وهي جواز الصوابية، أي صوابية تدريس لغة أجنبية للطفل
5- التناولات التي تنظر في الجدوى والإحصائيات مباشرة هي بحث معرفي يقوم به أهل الاختصاص، وهي مبنية على فرضية ضمنية غير معلنة، وهي صوابية الوجود
سبب ذلك أن معارف الإنسانيات، ومنها علوم التربية، في مجملها ذات منشأ غربي، تقول بوحدانية المركزية الغربية الغالبة، وإن لم يصرحوا بذلك. لهذا السبب يأخذون نقطة، وهي الغرب، ويجعلونها ثابتا، ويمرون للبحث المعرفي التفصيلي من دون أن يسائلوا مجال الوجود
6- المعرفة نشاط تابع بالضرورة للمركزية العقدية المنتجة لتلك المعاني، لذلك فصاحب الاختصاص، ومنهم المختصون في حقل علوم التربية، من زاوية ما، هو مروّج للتبعية للنموذجية الغربية، ودليله أنه يمر مباشرة للتفصيل البَعْدي الذي لا يسائل الموجود وأُسسه وفي حالتنا لايسائل تأسيسات تونس الحديثة
وهذا دلالة القانون الفرعي الثاني من "منهج النمذجة الفكرية" (1)، وهو نفس القانون الذي يقول إن الفكر، بالمقابل، هو الذي يسائل البدايات، وهو وحده الأداة التي نطمئن إليها
القانون الثاني يقول إن المعرفة دالة اشتقاق رياضي في متغير المعنى، والفكر دالة تكامل رياضي في متغير المعنى
ثالثا: الصوابية، الفكرة الغائبة
1- نلاحظ أمرا مهما، وهو أن مختلف معارف الإنسانيات، ومنها علوم التربية، لا توجد فيها فكرة الصوابية (2)، ثنائية القيمة المنطقية (يجوز / لا يجوز)، لأن الصوابية تبحث في جواز الوجود التأسيسي، وفكرة الصوابية التي أقدمها تشبه فكرة البحث في مجال وجود الدالة الرياضية (domaine de définition)، حيث قبل المرور إلى بحث تفاصيل دالة ما، علينا البحث في المجال الذي يمكنها أن تصح فيه
ومن فكرة الصوابية قدمت قاعدة منهجية مهمة، وهي: ما لا يصح وجوده لا تصح تفاصيله، لكن بدقة نقول: ما لا يجوز لا تصح تفاصيله؛ لأن الجواز قياس منطقي ثنائي القيمة، بينما الصحة قياس كمي ينظر في كميات التفاصيل
2- من جهة أخرى، المعارف ذات المنشأ الغربي تقول بصوابية تأسيسات الواقع، لذلك لا تسائله، وبالتالي لا يوجد بحث لفكرة الصوابية في الحقل المعرفي أولا
وهذا خلل منهجي خطير يحوّل معارف الإنسانيات إلى حوامل إلحاق بالنموذجية الغربية التي نشأت في سياقها عموم معارف الإنسانيات الحديثة
3- حين نتناول واقعنا بنظر جذري، لا يجب اعتماد التناول المعرفي، ولا يجب استحضار المختصين، لأن هؤلاء وُجدوا لتبرير تأسيسات الواقع العقدية عرفوا او لم يعرفوا، ولأن أدواتهم المعرفية مشتقة من مركزية عقدية عليا وهي حاليا النموذجية الغربية الغالبة
بالمقابل، فإن تأسيسات الموجود ينظر فيها باعتماد منهج متحرر من أسر الواقع، وهذا لا يحصل إلا بالفكر، ولا يمكن أن تؤمّنه المعرفة اللصيقة بالواقع والمتفرعة من مادته
-------------
-------------
(1) ينظر لماهو "منهج النمذجة الفكرية"
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=12701
المعمارية النسقية لـ "منهج النمذجة الفكرية"
https://www.myportail.com/al_manhaj_theoretical_architecture.php
(2) شرحت بالتفصيل فكرة الصوابية في كتابي "المركزية العقدية" في الباب الثاني، وهو "العقيدة"، وفيه بحثت مواضيع مثل: تعدد الصوابيات، وتقييم الصوابية، وتغالب الصوابيات
في نقد "التناول العلمي" لمسألة اللغة الفرنسية: العلمية لا تعني الصوابية
2026-08-20
57 قراءة
تفكيك منظومة فرنسا
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال