من ضمن الإخلالات المنهجية أننا نستورد المفاهيم ذات المنشأ الغربي من دون التثبت من شروط صوابيتها
ومنها فكرة أن الأحزاب لازمة للفعل السياسي وأنها سلّم الوصول إلى السلطة، وهذه مغالطة كبيرة؛ لأن الأحزاب في بلداننا لا يمكن أن توصلك إلى السلطة، وإن وصلت فلن تحكم، أي إنه وصول مجازي وظيفي
سبب هذا الخلل التصوري أننا نغفل حقيقة أن الغرب يمثل حالات مستقرة في مستوى تجانس الفرد الغربي مع مركزيته العقدية الضابطة لواقعه، بينما نحن لسنا منسجمين مع المركزية العقدية المؤطرة لواقعنا ولمنظومات التشكيل الذهني فيه (تعليم، تثقيف، إعلام)، حيث نخضع منذ عقود لعملية اقتلاع وتحويل قسري نحو المركزية العقدية الغربية، تؤمّنها أجهزة هذه الدولة التي تحكمنا، مما يجعلنا حالات غير مستقرة، ولا يصح بالتالي تشبيهنا بالغرب، ولا يصح علينا ما يصح على الغرب في طرق الوصول إلى السلطة
إنما الحقيقة أن الأحزاب في واقعنا هي أدوات تكريس الواقع الفاسد والإقناع بجداراته، باعتبار أن الأحزاب تكونت فوق مساحة فاسدة ابتداءً، وقبلت وسلّمت بها
لهذا نلاحظ أن الأحزاب في الدول التابعة، مثل تونس، كانت عمليّا كيانات تجميع وكشف للأفراد الرافضين للواقع، مما يقدم خدمة للغير لاستهدافهم بيسر
وهذا يثبته التاريخ، حيث إنه تم استهداف عشرات الآلاف من منتسبي هذه الأحزاب، وأولها التنظيمات الإسلامية، بالقتل والسجن والتشريد على مدى عقود، من دون أن تنجز تلك الأحزاب أي هدف غير مراكمة الفشل وزيادة أعداد الضحايا وتعميق مآسيهم
في الأثناء، كانت السلطة تُفْتَكُّ وتنتقل بين مجموعات صغيرة لم تنخرط في أحزاب مليونية ذات تاريخ ممتد لعشرات السنين، وإنما عرفت كيف تعتمد طرق التأثير والنفوذ والتغيير، وعرفت كيف تستغل الفرص التي يقدمها التاريخ وأحداثه
يمكن التوقف عند تونس فقط، وإن كان النظر يصح كذلك في الدول الأخرى، والبحث في كيف وصل هؤلاء إلى مكونات مؤثرة في السلطة : المجموعات العقدية المتطرفة في عدائها لهوية تونس ممن يسمى "الوطد"، المجموعات الغامضة التي أدارت عمليّا فترة ما بعد 2011 وتسلّمت السلطة وكانوا رؤساء حكومات، او وصلو لهرم السلطة: بن علي، قيس سعيد
أيّ من هؤلاء لم يكن يتحرك داخل أحزاب، فضلا أن تكون أحزابا عريقة ضخمة
بالمقابل، أصحاب الأحزاب المليونية يراوحون مكانهم منذ نصف قرن بين السجون والمآسي والخيبات، إنها نموذج لغياب الفاعلية الفردية (*)
---------
(*) كتبت من قبل وقدمت لقاءات مصورة حول الفاعلية الفردية وأخلاق القوة، باعتبارها عوامل تفسر الفشل المتواصل وغياب التأثير في الواقع. يمكن الاطلاع على موقع بوابتي وعلى قناتي على يوتيوب
في الدول التابعة، الأحزاب لا يمكنها أن تحكم
2026-08-03
33 قراءة
المفكر التابع
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال