يَا قَبري باللّه كُونْ عَشِيري *** واحْكي لي كِيفاشْ صَارْ لِغيري
غَرّتْني الدّنيا وسَاوا رْحِيلي *** واللّي وَراهْ المُوتْ مَا يِتْهَنّى (*)
-------
عملت منظومات الاقتلاع والتحويل الذهني في تونس، التي بُنيت على مهام معاداة الإسلام والتعامل معه على أنه مجرد ثقافة، على خلق غربة مزدوجة على مستوى المساحة الدينية داخل المجال العام، فجعلت الشعور والتجربة الإيمانية غريبين في الاتجاهين
أولاً، التونسي الذي يريد أن يعيش تدينه بأبعاده المتنوعة وبعمق، يحس بغربة، لأن منظومات التوجيه الذهني التي تؤطر تونس الحديثة والدائرة في أفق النموذجية الغربية، لا تعكس تجربته تلك ولا تعترف بها
وثانياً، فإن صاحب القدرة على إنتاج المعنى التديني، مثل المنشدين (الذِّكْر بالتعريف المتداول) والشعراء الشعبيين، لا يجدون صدى يعيد نقل إنتاجهم ذلك، فتبقى إنجازاتهم تُتَناقل في نطاق ضيق، مُتَجاهلةً ومستبعدةً بسلوك يكاد يقترب من الترذيل
-----
المجال المفاهيمي السائد يتيح للمنحرف أن يتحدث عن انحرافاته فيفتخر الزاني بعلاقاته المرذولة ويروّج السّكير ومرتاد العلب اليلية لنمط حياته المنفلت، ويوظف الفن لأشاعة كل ذلك ويتحول بعدها هؤلاء إلى قدوات للشباب
والواقع يسمح للمتهتكة أن تثمّن سقطاتها عن طريق توظيف الفن في ذلك، وتحولها إلى نموذج للفتيات
لكن نفس المجال المفاهيمي السائد يغلق الباب بمغاليق عصيّة على من يريد أن ينقل تجربته الإيمانية إلى المجال العام، لذلك ينتهي هذا المسار الموجَّه لخلق انطباع بأصالة الانحراف وكونه الوضع السوي، مقابل تصوير التدين والتجارب الإيمانية عموما، على أنها حالة غير سوية لا تليق إلا بالمنبتّين غريبي الأطوار، وهذه بعض الأدوار الخبيثة التي تتكفل بها منظومات الاقتلاع والتحويل الذهني المعنية بمهام التسريع بالإلحاق بالنموذجية الغربية
(*) ذِكْرْ لمحمد بن رابح، وهو نموذج للمعنى التديني الشعبي الذي يتم استبعاده من طرف منظومات التشكيل الذهني التي تخنق التونسيين منذ عقود فتتحكم فيهم وتوجه اختياراتهم
كنوزنا المهجورة: كيف يتحول الفن لأدوات تحويل ذهني...
2026-06-11
237 قراءة
المفكر التابع
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال