تلاحظون أنه لا توجد كتابة عربية، إذ تُستعمل فقط اللغة الفرنسية لمخاطبة التونسيين، في سلوك استفزازي يهين كل تونسي، ويستبطن عقدة النقص لدى القائمين على تلك المساحات التجارية، مما يحولها إلى بؤر تُوظَّف للإقناع بجدارة اللغة الفرنسية، ثم بجدارة التبعية للغرب، والإقناع بصوابية كره الذات
نعم، كل هذه الأدوار الخطيرة تؤديها مساحة تجارية من خلال ملصق في مدخلها، بل إنها تؤدي تلك الأدوار بطريقة فعالة وناعمة وغير مكشوفة. وهذه هي عمليات الاقتلاع والتحويل الذهني، كمكوّن من مسار الربط اللامادي الذي يستهدف التونسيين منذ عقود، ولسبب ما لا يتم التوقف عنده
بالمقابل، يرى التونسيون ليلا ونهارا هذه الملصقات الإشهارية والتواصلية، ويقبلون ضمنيا بدلالاتها العديدة والخطيرة التي تحملها، لأنهم أساسا لا يدركون ذلك
--------------
لو كان الحال غير الحال، لكان تسليم التونسي بأن يُخاطَب في مساحة عامة بلغة غير لغته، ثم قبوله بذلك من دون أدنى اعتراض، سببًا للتوقف عند هذه الحالة غير السوية، فتؤسَّس المسارات الجامعية للتعمق في بحثها، وتُعقد الندوات، وتُبعث المخابر البحثية في جامعاتنا حول هذه المواضيع
ولأن تونس الحديثة صُممت أساسًا للدوران في أفق النموذجية الغربية، فإن جامعاتنا، في شق الإنسانيات، لا تلتفت إلى هذه المواضيع لأنها لا تعتبرها مشكلة
فهذه المؤسسات الجامعية تبحث في كل المواضيع، منذ ما قبل التاريخ وصولا إلى المستقبل البعيد، وتبحث في كل ذلك وتشكك في كل المسلمات داخل ذلك الإطار الزمني الواسع. لا تخشى أحدا ولا تقيم اعتبارا لأي مقدسات، لذلك تشكك في وجود خالق الكون وتدرس النظريات التي تقول بذلك، وتعقد الندوات وتؤسس المخابر التي تعتبر الإسلام ثقافة وتجارب تدين
الجامعات التونسية، في شق الإنسانيات، ومن يُسمَّون باحثين داخلها، يفعلون ذلك وأكثر من ذلك مما لا يطلع عليه عامة التونسيين، لكنها بالمقابل لا تقترب، فضلا عن أن تعيد النظر، فيما يردها من الغرب وما يقوله رموزه المعرفية
فالمشتغلون بالإنسانيات في جامعاتنا يُسلِّمون بتأسيسات ما يردهم من معارف، ولا يدركون أصلا أن ما يدرسونه هو معارف وليست فكرا (*)، وهي بالضرورة مساحة تابعة لتأطير تصوري عقدي سابق، وهي المركزية العقدية الغربية. لذلك ينحصر دورهم في استيعاب تلك المعارف وإعادة الإقناع بها وترويجها من خلال التدريس أو تأطير الشهادات الجامعية، وهكذا تتحول الجامعات، في شق الإنسانيات، إلى أطر لتثبيت التبعية للنموذجية الغربية
وبالنتيجة، فإن مثل هذه الجامعات، والمشتغلين بالإنسانيات داخلها، لا يمكنهم لاعتبار موضوعي، التوقف عند مسائل الربط اللامادي لانهم لايعترفون بهذا المصطلح وحمولته، ولا يمكنهم الحديث عن الوضع غير السوي في تونس فيما يتعلق بالتبعية للغرب ولفرنسا، لأن هذه مواضيع لا توجد أصلًا في قائمة ما يردهم من المحتويات المعرفية الواجب دراستها، والتي ينتجها الغرب ورموزه
لكل هذا، سبق أن قلت إن أغلب جامعاتنا، في شق الإنسانيات، تمثل جزءا من المشكل، وهي إضافة إلى ذلك تتميز بأنها مشكل غير مكشوف ولا يتم إدراكه، لأنه لا يتم استيعاب حقيقة أن جامعات الإنسانيات، في أغلبها، هي حوامل إلحاقية بالنموذجية الغربية وأداة لتثبيت التبعية
----
(*) يمكن الرجوع لمقالات عديدة على موقع "بوابتي"، كتبتها في الفرق بين المعرفة والفكر المعرفي (الذي هو معرفة بالنهاية) والفكر، والخلاصة ان المعرفة اشتقاق رياضي تابع لتأطير عقدي سابق، بينما الفكر تكامل رياضي