فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

مؤشرات تعفّن مجتمعي: حادثة نهب ضحايا حادث سيارات، وتوسع ظاهرة الغش في الإمتحانات

2025-07-12 888 قراءة تفكيك منظومة فرنسا فوزي مسعود
لعلكم قرأتم للتونسي الذي كان بسيارة تعرضت منذ أيام لحادث في جهة "سليمان"، وهو يقول أنه كان صحبة أفراد آخرين من ذوي السيارات المتصادمة، مُلْقين على جنبات الطريق بين حياة وموت، وإذْ بالناس تُقبل عليهم تتنازع وتتعارك على سلبهم، وافتكوا منهم هواتفهم وأموالهم

ولعلكم تقرؤون انتشار الغش بالإمتحانات الوطنية، لدرجة أن عامة التونسيين طبّع وتأقلم مع هذه الظاهرة وبنى عليها مواقفه، فالولي يشتري لابنه جهاز الغش (الكيت)، والدولة ممثلة في أجهزة وزارة التربية والتعليم تغض الطرف وتتجاهل خطورة الموضوع لذلك لا تبذل مجهودا جديا لمنعها، وإلا فإنه يمكن بيسر نسبي منع تلك الممارسات بطرق تقنية

هاتان عيّنتان يبدو من الظاهر إختلافهما، لكنهما تشتركان في كونهما نموذجين عن مرحلة متقدمة من تهتّك مجتمعي بسبب غياب جهاز قيمي معياري يؤطر الناس ويخضعهم لمعانيه في مستوى الواقع أي المجال المفاهيمي مما يجاوز الفرد

---------------

والذي يريد أن يرفض هذا الذي يحصل فإنه يلوم ويشنّع على هؤلاء النّهّابين الأفراد على نهبهم الأموات والجرحى
وغيرهم يلومون التلميذ كيف يسمح لنفسه بالغشّ ويتحسرون قبل ذلك وبعده على إندثار منظومة التعليم

ثم يأتي آخرون من هؤلاء الذين يشتغلون بالإسلاميات كثيري الكلام قليلي الأثر في الواقع، فيقولون شيئا من البديهيات مما يتفق عليه الناس ويعرفونه فلا يضيفون لهم بما قالوا جديدا، ويخرج الناس من خطب الخطباء من دون أثر يذكر يعينهم في فهم واقعهم البائس فضلا عن تغييره، إلا قليلا

----------------

لسبب ما، اعتاد الناس أن يفهموا الإنحرافات أنها أفعال فردية، لذلك فإنهم يحمّلون الفرد لوحده المسؤولية عن أفعاله، فيلومونه وقد يسرفون في لومه

ولسبب ما، اعتاد الناس أن يفهموا الإنحرافات أنها أفعال طارئة لا تحكمها تأطيرات تصورية عليا تعمل على تبريرها ونشرها، لذلك فإنهم حين تناول الأحداث، لا يغادرون مساحة الفرد ومحيطة الضيق

وهؤلاء في الحالة الأولى يكتفون بالنظر للنتيجة أي الفعل الفردي ولا يبحثون في شبكة الأسباب، مما يعني تجاهلهم حقيقة أن الفعل هو مسار زمني وجزء من ظاهرة، وأن الفعل الفردي هو عينة نقطية من مسار أكبر، وأن تلك الأسباب بالضرورة ستنتج عينات وانحرافات أخرى لدى أفراد آخرين، وأن التركيز على الفرد لن يحل مشاكلا ستحصل بالضروة لدى عينات أخرى

وهم في الحالة الثانية لايدركون أن الواقع الحديث تؤطره المنظومات وليس إرداة الأفراد كعينات سائبة، وأن ممكنات الفرد في واقعنا الحديث لا تتحرك إلا في مساحة متحكم فيها وفي مداها، من طرف منظومات التشكيل الذهني والضبط المجتمعي بدوائرها الثلاث: التعليم والتثقيف والإعلام، التي تتفرع بدورها من مجال مفاهيمي مشتق من مركزية عقدية عليا تتبناها الدولة بالضرورة، وهي المركزية العقدية الغربية في حالة تونس منذ عقود ما بعد "الاستقلال"

------------

هذا يعني أن الفرد مهما علت همّته فإنه يبقى خاضعا في نسبة ما لسقف أعلى لا يجاوزه ولتحديدات فرضت عليه من أجهزة الدولة ومنظوماتها للتحكم الذهني

لذلك من أراد أن يتجه للفعل التغييري، فلينظر لمستوى السبب لا لمستوى النتيجة، أي عليه أن يتعامل مع المنظومات بدوائرها الثلاث (تعليم، إعلام، تثقيف) لا أن يركز مع الضحية وهو الفرد

عليه أن ينظر للمستوى العقدي الأعلى الذي يؤطر منظومة التعليم في تونس ويسعى لتغييرها، وهي المنظومة التي أسست منذ عقود وتدعمت في التسعينات على محاربة الإسلام واستبعاده من التأثير، بالتوازي مع تشجيع التهتك التلمذي داخل المؤسسات التعليمية من الروضات وحتى الجامعة: وجوبية التعليم المختلط، فرض جلوس الفتاة مع الولد، وفرض تدريس الرياضة النسائية في حالة اختلاط مع الذكور، وجعلها مادة تمتحن فيها الفتاة مما يهوّن من قيمة الحياء ويروج ويمهّد للانحرافات الاخلاقية بين الشباب...

من أراد التغيير فعليه أن يتكلم ويرفض ويطالب بمعاقبة من ينتح المسلسلات والأعمال التلفزية والثقافية التي تروج للتهتك المجتمعي وتجعل فضائح الناس مادة إعلامية فتساهم في نشرها وتهوين فضاعتها، وتروج للمنحرفين أنهم قدوات

إن فعلتَ بعضا من هذا فأنت على الطريق الصحيح لأنك تتعامل مع مستوى السبب، وخرجت من التعامل الفاسد الذي يركز على الضحية أي مستوى النتيجة وهو الفرد

------------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق